من يحرك قوارب الفوضى نحو سبتة؟.. أسئلة محرجة بعد تقارب مدريد والجزائر

هيئة التحرير30 يوليو 2026
من يحرك قوارب الفوضى نحو سبتة؟.. أسئلة محرجة بعد تقارب مدريد والجزائر

بقلم : محمد العورج
لم تكن المشاهد التي عاشتها سواحل الفنيدق ومعبر سبتة المحتلة خلال الساعات الأخيرة عادية أو مألوفة. فخلف صور المئات من الشباب الذين اندفعوا نحو البحر بحثاً عن حلم العبور، تختبئ أسئلة سياسية أكبر من مجرد ظاهرة هجرة سرية تتكرر بين الفينة والأخرى.
فالمغرب، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة شريكاً أساسياً لأوروبا في مكافحة الهجرة غير النظامية وحماية الحدود الجنوبية للقارة العجوز، وجد نفسه فجأة في قلب عاصفة إعلامية جديدة. وبينما سارعت وسائل إعلام أجنبية إلى التركيز على أعداد المهاجرين الذين حاولوا الوصول إلى سبتة، غاب الحديث عن الجهود الضخمة التي تبذلها المملكة يومياً لإحباط آلاف المحاولات وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر.
غير أن ما يثير الانتباه أكثر من الحدث نفسه هو توقيته. فقبل أيام فقط، حط رئيس الحكومة الإسبانية رحاله بالجزائر، حيث جرى توقيع اتفاقيات وإطلاق رسائل سياسية جديدة بين البلدين. وفي الوقت نفسه، تتواصل التجاذبات المرتبطة بالتحضيرات لكأس العالم 2030، وسط تقارير تحدثت عن رغبة إسبانية في تعزيز موقعها داخل هذا الملف المشترك مع المغرب والبرتغال.
وفي خضم هذه التطورات، يبرز تساؤل مشروع: هل ما وقع بالفنيدق مجرد صدفة زمنية، أم أن هناك من وجد في ملف الهجرة وسيلة للضغط أو التشويش على صورة المغرب في لحظة إقليمية دقيقة؟
لا أحد يملك اليوم دليلاً مادياً يسمح بتوجيه الاتهام إلى أي جهة، كما أن منطق الدولة يقتضي الاحتكام إلى الوقائع لا إلى الانطباعات. لكن السياسة الدولية لا تؤمن كثيراً بالصدف، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة ترتبط بالأمن والهجرة والتوازنات الإقليمية.
لقد أثبت المغرب مراراً أنه شريك موثوق لأوروبا في مواجهة الهجرة غير النظامية. كما أن الأجهزة الأمنية المغربية تمكنت خلال السنوات الأخيرة من إحباط عشرات الآلاف من محاولات العبور وتفكيك مئات الشبكات الإجرامية، في وقت كانت فيه دول أوروبية عديدة تعتبر المملكة خط الدفاع الأول عن حدودها الجنوبية.
ومن هنا، فإن أي محاولة لاستغلال هذا الملف لإحراج المغرب أو تقديمه في صورة العاجز عن ضبط حدوده تبدو محاولة قصيرة النظر، لأن الوقائع تؤكد أن المملكة تتحمل عبئاً أمنياً وإنسانياً لا يخصها وحدها، بل يهم المنطقة بأكملها.
كما أن المتتبعين للشأن الإقليمي يربطون بين هذه التطورات وبين النجاحات الدبلوماسية التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى قضية الصحراء المغربية أو على مستوى شراكاته الاستراتيجية المتنامية مع قوى دولية مؤثرة. فكلما حققت المملكة مكسباً سياسياً أو دبلوماسياً، برزت في المقابل محاولات للتشويش أو خلق بؤر توتر إعلامية وسياسية تستهدف صورتها الخارجية.
لكن إذا كانت بعض الأطراف تراهن فعلاً على استعمال ورقة الهجرة كورقة ضغط ضد المغرب، فإنها بذلك تلعب لعبة شديدة الخطورة. فاستقرار المنطقة المتوسطية لا يمكن أن يبنى على المناورات أو الحسابات الضيقة، بل على التعاون والثقة المتبادلة واحترام المصالح المشتركة.
اليوم، وبين أمواج الفنيدق وأسوار سبتة، لا يطرح السؤال حول من عبر البحر فقط، بل حول من المستفيد من هذا المشهد؟ ومن الذي يريد أن يظهر المغرب في واجهة أزمة جديدة رغم أنه كان ولا يزال أحد أهم صناع الاستقرار في المنطقة؟
أسئلة قد لا تجد جوابها اليوم، لكنها ستظل مطروحة بقوة ما دام التوقيت يثير الريبة، وما دامت المصالح المتشابكة تجعل من كل حدث أمني أو اجتماعي مادة لقراءات سياسية تتجاوز بكثير ما يظهر على السطح.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.