السلوك الانتخابي كفعل إجتماعي: سوسيولوجيا إعادة إنتاج الاختيارات السياسية

هيئة التحرير18 سبتمبر 2026
السلوك الانتخابي كفعل إجتماعي: سوسيولوجيا إعادة إنتاج الاختيارات السياسية

بقلم الأستاذ: محمد أغياي /طالب باحث في السوسيولوجيا/مكون في مجال الديمقراطية التشاركية و السياسات العمومية والترافع.
غالبا ما يتم التعامل مع السلوك الانتخابي باعتباره قرارا فرديا يتخذه المواطن في لحظة التصويت، وكأن الناخب يدخل إلى مكتب الاقتراع وهو يحمل ورقة بيضاء لا تحمل أي أثر لماضيه الاجتماعي أو الثقافي أو العائلي. غير أن المقاربة السوسيولوجية تدفعنا إلى النظر إلى التصويت بطريقة مختلفة؛ فالناخب لا يختار في فراغ، ولا تتشكل مواقفه السياسية فقط خلال فترة الحملة الانتخابية، بل إن اختياراته هي حصيلة مسار طويل من التجارب والعلاقات والتنشئة والتمثلات التي تراكمت داخله عبر الزمن. لذلك فإن فهم السلوك الانتخابي لا يقتصر على معرفة لمن يصوت الفرد، وإنما يقتضي البحث في الكيفية التي تشكل بها هذا الاختيار، وفي الشروط الاجتماعية التي جعلته يبدو بالنسبة إليه طبيعيا ومقبولا وذا معنى.
من هذا المنطلق، يصبح مفهوم الهابيتوس عند بيير بورديو مدخلا أساسيا لفهم السلوك الانتخابي. فالهابيتوس هو ذلك المخزون من الاستعدادات التي يكتسبها الفرد من خلال مساره الاجتماعي، والتي تؤثر في طريقته في إدراك العالم والتفاعل معه واتخاذ مواقفه. إنه ليس قانونا مكتوبا داخل عقل الإنسان، وليس مجموعة من القواعد التي يطبقها بشكل واع، بل هو أشبه بطريقة في الإحساس والتفكير والتصرف أصبحت مع مرور الوقت جزءا من شخصيته الاجتماعية. فالإنسان، في كثير من الأحيان، لا يسأل نفسه لماذا يميل إلى موقف معين؛ لأنه ببساطة يشعر أن هذا الموقف هو الأقرب إلى «طبيعته» وإلى ما اعتاد عليه.
وهنا تكمن أهمية الهابيتوس في فهم التصويت. فقد يبدو الاختيار الانتخابي قرارا شخصيا، لكنه قد يكون مرتبطا بتاريخ عائلي أو اجتماعي طويل. فالطفل الذي ينشأ في أسرة تتحدث باستمرار عن السياسة، أو تمتلك موقفا إيجابيا أو سلبيا من الأحزاب، أو تربط المشاركة الانتخابية بالواجب والمسؤولية، يتعلم السياسة قبل أن يصبح قادرا على التصويت. وكذلك الشاب الذي ينشأ في محيط يعتبر الانتخابات بلا جدوى قد يطور مع الوقت علاقة مختلفة بالمشاركة السياسية. وفي الحالتين، لا يكون السلوك نتيجة قرار مفاجئ، وإنما نتيجة لتراكم اجتماعي طويل.
وهنا يمكن استحضار نظرية التنشئة الاجتماعية لفهم الطريقة التي تنتقل بها المواقف السياسية من جيل إلى آخر. فالأسرة ليست فقط مؤسسة لإشباع الحاجات الأساسية، وإنما هي أيضا فضاء يتعلم فيه الفرد اللغة والقيم والمعايير وطريقة النظر إلى الآخرين وإلى المجتمع. والمدرسة بدورها تساهم في تشكيل علاقة الفرد بالمواطنة والقانون والمؤسسات، بينما تلعب جماعة الأصدقاء ووسائل الإعلام والمجال الرقمي أدوارا متزايدة في تشكيل المواقف السياسية. وبذلك يمكن النظر إلى الناخب باعتباره نتاج شبكة واسعة من عمليات التنشئة، بعضها مباشر وواع، وبعضها يحدث بشكل غير مباشر ومن دون أن يشعر الفرد به.
لكن اختزال السلوك الانتخابي في التنشئة وحدها لا يكفي. فالفرد لا يعيش فقط داخل الأسرة أو المدرسة، بل يحتل موقعا معينا داخل البنية الاجتماعية. وهنا تساعدنا نظرية بورديو مرة أخرى من خلال مفاهيم الرأسمال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والرمزي. فامتلاك موارد اجتماعية واستعدادات ثقافية مختلفة يمكن أن يؤثر في الطريقة التي يفهم بها الفرد السياسة وفي نوع المعلومات التي يعتمد عليها وفي علاقاته بالفاعلين السياسيين. شخص يمتلك رصيدا ثقافيا مرتفعا قد يتعامل مع البرنامج الانتخابي باعتباره نصا سياسيا يحتاج إلى القراءة والمقارنة، بينما قد يعطي شخص آخر أهمية أكبر لمعرفة المرشح الشخصية أو لعلاقاته داخل الحي أو الجماعة المحلية. لا يعني ذلك أن أحدهما أكثر عقلانية من الآخر، بل يعني أن لكل واحد منهما أدوات اجتماعية مختلفة لفهم المجال السياسي.
وهنا تظهر أهمية مفهوم المجال السياسي. فالسياسة ليست فضاء محايدا تتساوى داخله جميع الأطراف، وإنما هي مجال تتنافس فيه الأحزاب والمرشحون والفاعلون السياسيون حول الموارد والشرعية والتمثيل. والناخب يدخل هذا المجال من موقع اجتماعي معين، ويحمل معه رصيدا معينا من المعرفة والعلاقات والخبرات. لذلك فإن الاختيارات المعروضة عليه ليست منفصلة عن بنية المجال السياسي نفسه. فالأحزاب تحدد جزءا كبيرا من الخيارات الممكنة، والخطابات السياسية تحدد القضايا التي تصبح موضوعا للنقاش، والإعلام يعيد ترتيب الأولويات، والشبكات الاجتماعية تمنح بعض القضايا حضورا أكبر من غيرها.
ومن هنا يمكن فهم ما يسميه بورديو “العنف الرمزي”. فالسيطرة السياسية لا تتم دائما من خلال القوة المباشرة، بل يمكن أن تمر أيضا عبر الرموز والكلمات والتصورات التي تجعل ترتيبات معينة تبدو طبيعية. وفي المجال الانتخابي، قد تصبح بعض الصور عن «السياسي القريب من الناس» أو «المرشح القادر على حل المشاكل» أو «الحزب الذي يمثل فئة معينة» تصورات راسخة يصعب مساءلتها. ويصبح قبول هذه الصور جزءا من عملية اجتماعية أوسع يتم من خلالها تعريف ما هو مشروع وما هو غير مشروع، وما هو ممكن وما هو مستحيل داخل المجال السياسي.
وفي المقابل، تقدم لنا نظرية الفعل الاجتماعي عند ماكس فيبر زاوية مختلفة ومكملة. فالإنسان عندما يصوت يمنح فعله معنى معينا. قد يصوت لأنه مقتنع ببرنامج سياسي، وقد يصوت وفاء لانتماء معين، أو استنادا إلى تجربة سابقة، أو أملا في تحسين وضعه، أو تأثرا بشخص يثق به، أو حتى احتجاجا على واقع معين. وبالتالي فإن السلوك الانتخابي لا يمكن فهمه فقط من الخارج؛ يجب أيضا محاولة فهم المعنى الذي يمنحه الناخب نفسه لفعله.
وهذا ما يجعل التصويت فعلا اجتماعيا بامتياز. فالناخب لا يتصرف في عزلة، وإنما يأخذ في الاعتبار ما يفعله الآخرون وما ينتظرونه منه. قد يصوت الفرد بطريقة معينة لأن عائلته تتوقع ذلك منه، أو لأن محيطه الاجتماعي يعتبر هذا الاختيار أمرا عاديا، أو لأن جماعة الانتماء التي ينتمي إليها تمنحه هوية سياسية معينة. وفي هذه الحالة، يصبح التصويت تعبيرا عن علاقة الفرد بالآخرين بقدر ما هو تعبير عن قناعة شخصية.
وتساعدنا نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي عند بورديو على فهم جانب آخر من المسألة. فالمجتمع لا يعيد إنتاج نفسه فقط من خلال المؤسسات الاقتصادية والتعليمية، وإنما يمكن أن يعيد إنتاج بعض أنماطه وعلاقاته داخل الممارسة السياسية أيضا. فإذا انتقلت بعض التمثلات السياسية من الآباء إلى الأبناء، وإذا استمرت بعض أنماط الولاء والانتماء والثقة في التداول داخل الجماعات، فإن الانتخابات يمكن أن تصبح إحدى اللحظات التي يظهر فيها هذا الاستمرار الاجتماعي.
لكن إعادة الإنتاج لا تعني أن المجتمع ثابت أو أن الفرد محكوم بشكل نهائي بماضيه. وهذه نقطة مهمة جدا في قراءة بورديو. فالهابيتوس لا يعمل كبرنامج آلي يحدد كل اختيارات الإنسان. إنه يمنح الفرد مجموعة من الاستعدادات، لكن هذه الاستعدادات يمكن أن تتغير عندما تتغير ظروف الحياة. التعليم، والهجرة، والتحضر، وتغير المهنة، وتوسع العلاقات الاجتماعية، والتجارب السياسية الجديدة، كلها عوامل يمكن أن تجعل الفرد يعيد النظر في بعض المواقف التي كان يعتبرها في السابق بديهية.
ومن هنا يمكن فهم التحولات التي يعرفها السلوك الانتخابي لدى الشباب. فالشاب اليوم يعيش في عالم اجتماعي مختلف عن عالم الأجيال السابقة. فهو يتعرض لمصادر متعددة للمعلومات، ويتفاعل مع قضايا سياسية عبر المنصات الرقمية، ويقارن تجاربه بتجارب أفراد يعيشون في مجتمعات أخرى. وقد أدى ذلك إلى ظهور أشكال جديدة من العلاقة بالسياسة، لا تنسجم دائما مع النموذج التقليدي للمشاركة السياسية. فالشاب قد يكون غير مهتم بالانخراط الحزبي، لكنه يشارك في نقاش سياسي عبر مواقع التواصل؛ وقد لا يشارك في الانتخابات، لكنه يكون شديد الحساسية تجاه قضايا عامة معينة.
وهنا يصبح العزوف الانتخابي نفسه موضوعا يحتاج إلى قراءة سوسيولوجية. فمن السهل وصف العزوف بأنه مجرد عدم اهتمام أو لامبالاة، لكن المقاربة السوسيولوجية تسأل عن الظروف التي تنتج هذا السلوك. هل يرتبط الأمر بضعف الثقة في المؤسسات؟ أم بشعور بأن الخيارات السياسية المعروضة لا تعبر عن انتظارات الفرد؟ أم بتحولات في أشكال المشاركة السياسية؟ أم بتجارب اجتماعية جعلت السياسة تبدو بعيدة عن الحياة اليومية؟ هذه الأسئلة تفتح المجال لفهم العزوف ليس فقط كغياب للتصويت، وإنما كعلامة على تغير العلاقة بين الفرد والمجال السياسي.
كما أن التفاعل الرمزي، خاصة من خلال أعمال جورج هربرت ميد وهربرت بلومر، يسمح لنا بالنظر إلى التصويت باعتباره نتيجة للمعاني التي تتشكل من خلال التفاعل مع الآخرين. فالمرشح السياسي لا يظهر للناخب كاسم على ورقة الاقتراع فقط، بل يحمل صورة ورمزا وهوية ومعاني يتم إنتاجها داخل المجتمع. وقد يتحول شخص معين إلى رمز للثقة أو القرب أو التغيير، ليس بسبب برنامجه وحده، وإنما بسبب المعاني التي يبنيها الناس حول شخصيته وخطابه.
وفي العصر الرقمي، أصبحت هذه العملية أكثر تعقيدا. فالناخب لا يتلقى الرسالة السياسية فقط من الحزب أو المرشح، وإنما يشاهدها من خلال مقاطع قصيرة وتعليقات وصور وميمات ومحادثات جماعية. وتدخل الخوارزميات في تنظيم ما يظهر أمام المستخدم وما يختفي عنه، مما قد يؤثر في البيئة المعلوماتية التي يتشكل داخلها الرأي السياسي. ومع ذلك، فإن تأثير هذه الوسائط لا ينبغي فهمه باعتباره بديلا عن العوامل الاجتماعية التقليدية؛ فالإنسان يدخل إلى العالم الرقمي وهو يحمل معه هويته وتجربته وهابيتوسه، ويعيد تفسير ما يراه من خلال هذه الخلفية.
إن أهمية مفهوم الهابيتوس هنا تكمن في أنه يسمح لنا بالخروج من ثنائية بسيطة: إما أن الناخب حر تماما، أو أنه خاضع تماما للمجتمع. الواقع أكثر تعقيدا. فالناخب يمتلك القدرة على الاختيار، لكنه يختار داخل شروط اجتماعية لم يصنعها بمفرده. لديه إرادة، لكن هذه الإرادة تتشكل داخل تاريخ شخصي وجماعي. وهو قادر على تغيير موقفه، لكن هذا التغيير نفسه يحدث من خلال تجارب وعلاقات وتحولات اجتماعية.
لذلك فإن السؤال السوسيولوجي الحقيقي ليس: «هل الناخب حر أم غير حر؟»، وإنما: كيف تتفاعل حرية الاختيار مع الشروط الاجتماعية التي تنتجها؟ هنا بالضبط يصبح الهابيتوس مفهوما مهما، لأنه يساعد على فهم تلك المنطقة الوسطى بين البنية والفعل، بين المجتمع والفرد، بين ما يرثه الإنسان وما يستطيع تغييره.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن السلوك الانتخابي ليس مجرد فعل تقني يتمثل في وضع ورقة داخل صندوق، وإنما هو ممارسة اجتماعية تحمل آثارا عميقة للتنشئة والطبقة والرأسمال والهوية والذاكرة الجماعية والعلاقات الاجتماعية. فالناخب لا يأتي إلى الانتخابات من خارج المجتمع، وإنما يحمل المجتمع معه إلى صندوق الاقتراع. وكل اختيار انتخابي، مهما بدا فرديا، يمكن أن يخفي وراءه شبكة من العلاقات والتجارب والتمثلات التي ساهمت في تشكيله.
إن قراءة الانتخابات بهذه الطريقة تجعل من السلوك الانتخابي مرآة للمجتمع أكثر من كونه مجرد نتيجة سياسية. فالانتخابات تكشف كيف ينظر الناس إلى الدولة والمؤسسات والأحزاب والسلطة، وكيف تتشكل الثقة وعدم الثقة، وكيف تنتقل القيم بين الأجيال، وكيف تتغير علاقة الفرد بالجماعة. ومن هنا فإن دراسة التصويت سوسيولوجيا لا ينبغي أن تتوقف عند الأرقام ونسب المشاركة والنتائج، بل يجب أن تبحث أيضا في المعاني الاجتماعية الكامنة وراء هذه الأرقام.
وفي النهاية، يمكن النظر إلى السلوك الانتخابي باعتباره نقطة التقاء بين الهابيتوس والمجال والفعل الاجتماعي. فالهابيتوس يمنح الفرد استعدادات معينة، والمجال السياسي يقدم له مجموعة من البدائل والرموز، بينما يظل الفاعل قادرا على التأويل والاختيار وإعادة بناء موقفه. وبين هذه العناصر الثلاثة تتشكل الممارسة الانتخابية. ومن ثم، فإن التصويت لا يمثل فقط تعبيرا عن اختيار سياسي، بل يكشف أيضا عن تاريخ اجتماعي كامل يرافق الفرد إلى لحظة الاقتراع. وهنا تكمن قوة السوسيولوجيا: في الانتقال من ظاهر السلوك إلى الشروط الاجتماعية التي جعلته ممكنا، ومن سؤال «ماذا اختار الناخب؟» إلى السؤال الأعمق:”كيف أصبح هذا الاختيار ممكنا وذا معنى بالنسبة إليه؟”

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.