حين تتحول الأحزاب إلى زوايا: أزمة الديمقراطية داخل التنظيمات الإيديولوجية في المغرب

هيئة التحرير17 أغسطس 2025
حين تتحول الأحزاب إلى زوايا: أزمة الديمقراطية داخل التنظيمات الإيديولوجية في المغرب

بقلم: محمد العورج
في قلب المشهد السياسي المغربي، تتسلل أنماط تنظيمية وسلوكية داخل بعض الأحزاب ذات المرجعيات الدينية أو الفكرية، تُعيد إنتاج منطق الزاوية التقليدية، حيث يتحول الزعيم الحزبي إلى “شيخ”، وتتحول القواعد التنظيمية إلى “مريدين” يدينون له بالولاء المطلق، ويُمارسون الطاعة دون نقاش أو مساءلة. هذا التحول لا يُعبر فقط عن أزمة في الديمقراطية الداخلية، بل يكشف عن خلل بنيوي في فهم العمل الحزبي كمجال للتعدد والتفاعل، لا كفضاء مغلق يُدار بمنطق الطقوس والولاء.
في هذه الأحزاب، يُستبدل النقاش السياسي الحر بخطاب إيديولوجي مُقدس، تُستخدم فيه مفردات مثل “الصف”، “البيعة”، “الوفاء”، و”الطاعة”، لتثبيت سلطة الزعيم وتكميم الأصوات المخالفة. ويُنظر إلى أي اختلاف داخلي على أنه خروج عن الجماعة، أو تمرد على الخط الفكري، مما يُنتج نخبًا حزبية ضعيفة، غير قادرة على المبادرة أو النقد، وتفتقر إلى الاستقلالية الفكرية، وتُعيد إنتاج نفس الخطاب دون تجديد أو مساءلة.
هذا النموذج يُفرغ المؤسسات التمثيلية من دورها الرقابي والتشريعي، ويُحول الانتخابات إلى طقوس شكلية تُعيد إنتاج نفس الوجوه، ويُعزز العزوف السياسي، ويُعمّق الهوة بين المواطن والعمل الحزبي. كما يُضعف ثقة الناس في جدوى المشاركة السياسية، ويُكرّس ثقافة التبعية بدل ثقافة المواطنة.
إن الحاجة اليوم ليست فقط إلى تجديد الخطاب السياسي، بل إلى إعادة بناء الثقافة الحزبية على أساس التعدد، والنقاش، والمحاسبة، بعيدًا عن منطق الزاوية الذي يُحوّل السياسة إلى طاعة، والاختلاف إلى خيانة. فالديمقراطية لا تُبنى على المريدين، بل على المواطنين الأحرار.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.