بين التواصل السياسي والاستعداد الانتخابي: قراءة في الحركية الأخيرة لرؤساء الأحزاب بالمغرب

هيئة التحرير22 أغسطس 2026
بين التواصل السياسي والاستعداد الانتخابي: قراءة في الحركية الأخيرة لرؤساء الأحزاب بالمغرب

تغريدة / المهدي العلمي الإدريسي
تعيش الساحة السياسية المغربية، خلال الفترة الأخيرة، على إيقاع حركية حزبية متزايدة، تتجلى في اللقاءات التواصلية والزيارات الميدانية والتجمعات التي يقودها رؤساء وأمناء عامون لعدد من الأحزاب السياسية. وهي حركية تبدو، في ظاهرها، جزءاً طبيعياً من العمل السياسي، لكنها تفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة المرحلة التي يمر منها المشهد الحزبي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
فهل يتعلق الأمر بتواصل سياسي عادي يروم الاقتراب من المواطن والاستماع إلى انتظاراته، أم أن هذه الحركية تحمل، بشكل أو بآخر، ملامح استعداد انتخابي مبكر؟ أم أن الأمرين أصبحا متداخلين إلى درجة يصعب معها رسم حدود واضحة بينهما؟
السؤال في حد ذاته لا يحمل اتهاماً ولا حكماً مسبقاً، بل يعكس طبيعة السياسة في المجتمعات الديمقراطية؛ فالأحزاب لا يمكن أن تنتظر حلول موعد الانتخابات حتى تتواصل مع المواطنين، كما أن اقتراب الاستحقاق الانتخابي يجعل كل نشاط حزبي يحمل، ولو بشكل غير مباشر، بعداً سياسياً وانتخابياً.
من التواصل إلى الحضور الميداني
التواصل مع المواطنين يشكل جوهر العمل الحزبي. فالحزب السياسي، في الأصل، ليس مجرد آلة انتخابية تشتغل خلال فترات الحملات، وإنما إطار للتأطير والاقتراح والتعبير عن انتظارات المجتمع.
ومن هذه الزاوية، فإن خروج القيادات الحزبية إلى المدن والقرى والجهات، ولقاؤها بالمناضلين والمواطنين والفاعلين المحليين، يمكن اعتباره مؤشراً إيجابياً على محاولة استعادة السياسة لارتباطها بالميدان.
لكن طبيعة الخطاب هي التي تمنح هذه اللقاءات معناها الحقيقي.
فحين يكون اللقاء فضاءً للاستماع، ومناقشة القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، والإنصات إلى نبض المجتمع، فإننا نكون أمام ممارسة سياسية طبيعية ومطلوبة. أما عندما يتحول الحضور الميداني إلى مناسبة لاستعراض الحصيلة أو تقديم الوعود أو مهاجمة المنافسين، فإن البعد الانتخابي يصبح أكثر وضوحاً.
ومع ذلك، فإن وجود هذا البعد لا يعني بالضرورة أن الأمر يتعلق بحملة انتخابية سابقة لأوانها، بقدر ما يعكس استعداد الأحزاب للاستحقاقات المقبلة ومحاولة بناء خطاب سياسي قادر على الوصول إلى الناخب.
الأغلبية والمعارضة… اختلاف في الموقع ووحدة في الحاجة إلى التواصل
الأحزاب المشاركة في الأغلبية الحكومية تجد نفسها أمام مسؤولية مختلفة. فهي مطالبة بالتواصل مع المواطنين وشرح اختياراتها والدفاع عن حصيلتها، كما أنها مطالبة بالإنصات إلى الانتقادات والانتظارات التي تراكمت خلال الولاية الحكومية.
أما أحزاب المعارضة، فلها بدورها وظيفة أساسية تتمثل في مساءلة السياسات العمومية وتقديم قراءات بديلة واقتراح حلول مختلفة.
وبين هذا وذاك، يبدو أن الطرفين يلتقيان عند نقطة واحدة: الحاجة إلى المواطن وإلى استعادة ثقته.
فالأغلبية تحتاج إلى إقناع المواطن بما تحقق وما يمكن أن يتحقق، بينما تحتاج المعارضة إلى إقناعه بأن لديها بديلاً واقعياً وقابلاً للتنفيذ.
وهنا تصبح اللقاءات الميدانية أكثر من مجرد أنشطة حزبية؛ إنها فرصة لإعادة بناء العلاقة بين السياسي والمجتمع.
هل نحن أمام حملة انتخابية مبكرة؟
يصعب تقديم جواب قاطع، لأن الحدود بين النشاط الحزبي والتعبئة الانتخابية ليست دائماً واضحة.
الأحزاب بطبيعتها تستعد للانتخابات باستمرار، وتبني شبكاتها التنظيمية، وتناقش برامجها، وتعمل على التواصل مع المواطنين. وبالتالي فإن مجرد تكثيف اللقاءات لا يكفي للقول إن حملة انتخابية قد بدأت.
المعيار الأهم هو مضمون الخطاب وطبيعة الممارسة.
فإذا كان التركيز منصباً على النقاش العمومي، والاستماع إلى المواطنين، وطرح الأفكار والبرامج، فإن الأمر يدخل في إطار التواصل السياسي. أما إذا أصبح النشاط قائماً أساساً على استقطاب الناخبين وتقديم الوعود والترويج لصورة انتخابية محددة، فإننا نقترب من منطق الحملة الانتخابية، حتى وإن لم تحمل هذه الأنشطة اسمها الرسمي.
المواطن لا يريد موسماً سياسياً
ربما تكون النقطة الأكثر أهمية في كل هذه الحركية هي سؤال المواطن نفسه.
فالمواطن المغربي لا يحتاج فقط إلى السياسي عندما تقترب الانتخابات. بل يحتاج إلى حزب حاضر في المجتمع، يسمع صوته خلال السنوات الفاصلة بين الاستحقاقات، ويتابع قضاياه، ويشرح مواقفه، ويقدم مقترحاته، ثم يعود إليه عندما يحين موعد الاقتراع.
ومن هنا، فإن قيمة هذه الخرجات لا ينبغي أن تقاس بعدد الحاضرين أو بحجم التغطية الإعلامية، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج تواصل سياسي حقيقي ومستمر.
فاللقاء الناجح ليس بالضرورة هو الذي ينتهي بالتصفيق، وإنما الذي يبدأ بعده نقاش جدي حول مشاكل المواطنين وانتظاراتهم.
الحركية الحزبية واختبار المصداقية
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، من الطبيعي أن ترتفع وتيرة النشاط الحزبي. لكن هذه المرحلة يمكن أن تكون أيضاً فرصة أمام مختلف الفاعلين السياسيين لإعادة التفكير في طريقة التواصل مع المجتمع.
فالمواطن اليوم أكثر اطلاعاً، وأكثر قدرة على المقارنة، وأقل استعداداً للاكتفاء بالشعارات العامة.
لذلك، فإن الأغلبية مطالبة بتقديم حصيلتها بكل ما لها وما عليها، والمعارضة مطالبة بتقديم بدائل واضحة وقابلة للنقاش، بينما يبقى المواطن هو الطرف الذي يملك في النهاية حق التقييم والاختيار.
وفي هذا السياق، لا تبدو المشكلة في كثرة الخرجات الحزبية، بل في السؤال حول ما إذا كانت هذه الخرجات ستتحول إلى تواصل سياسي دائم أم ستظل مرتبطة بمواسم الانتخابات.
الخلاصة
الحركية الأخيرة لرؤساء الأحزاب بالمغرب يمكن قراءتها من أكثر من زاوية. فهي، من جهة، تعكس حيوية العمل السياسي ورغبة الأحزاب في الاقتراب من المواطنين، ومن جهة أخرى، لا يمكن فصلها تماماً عن الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
لكن الأهم من تحديد ما إذا كانت هذه الخرجات تواصلاً أم تمهيداً انتخابياً هو أن تتحول إلى فرصة لإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها فضاءً للحوار والإنصات والاقتراح.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى من يطلب صوته، وإنما إلى من يستمع إلى صوته.
وفي نهاية المطاف، ستظل الانتخابات محطة للحكم على البرامج والأداء والمصداقية، لكن العلاقة بين الأحزاب والمواطنين لا ينبغي أن تبدأ مع اقتراب موعد الاقتراع ولا أن تنتهي بإغلاق صناديق التصويت.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي أمام مختلف الأحزاب، سواء كانت في الأغلبية أو المعارضة، ليس فقط كسب الانتخابات، وإنما كسب ثقة المواطن؛ وهي مهمة أكثر صعوبة، وأطول نفساً، من أي حملة انتخابية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.