بقلم الأستاذ محمد أغياي/طالب باحث في علم الاجتماع/ مكون في مجال الديمقراطية التشاركية والسياسات العمومية والترافع*
لطالما احتل الشباب موقعا مركزيا في الخطاب السياسي، باعتبارهم طاقة المجتمع المتجددة، وحاملي المستقبل، والقوة القادرة على تجديد الحياة السياسية وإعادة ضخ الحيوية في المؤسسات والتنظيمات. وفي هذا السياق، ظهرت التنظيمات الشبابية التابعة للأحزاب أو القريبة منها باعتبارها فضاءات للتنشئة السياسية والتأطير والتكوين، ومجالات لتعلم الممارسة الديمقراطية واكتساب مهارات النقاش والتنظيم والمشاركة. غير أن هذه الوظيفة المعلنة لا تعكس دائما الوظيفة الفعلية التي تقوم بها هذه التنظيمات داخل الحقل السياسي. فبينما يفترض أن يكون التنظيم الشبابي فضاء لبناء الفاعل السياسي، قد يتحول تدريجيا إلى فضاء لإعادة إنتاج التراتبيات والتبعية وأشكال الهيمنة التي تحكم التنظيم الحزبي نفسه.
تكمن أهمية هذا التحول في أنه لا يحدث بالضرورة بصورة مباشرة أو معلنة. فلا أحد يقول للشاب إن المطلوب منه أن يكون تابعا، ولا تقدم التنظيمات نفسها باعتبارها فضاءات لإعادة إنتاج الهيمنة. بل يحدث الأمر غالبا بطريقة أكثر هدوءا وتعقيدا، من خلال الممارسات اليومية، وأنماط التواصل، وتوزيع المسؤوليات، وطريقة اتخاذ القرار، وآليات الاعتراف بالكفاءة، وشبكات العلاقات، وحتى اللغة التي يتم بها الحديث عن الالتزام والانضباط والوحدة التنظيمية. وهكذا يصبح الشاب، الذي دخل التنظيم بحثا عن فرصة للتعبير والمشاركة، مطالبا تدريجيا بتعلم قواعد غير مكتوبة تحدد له ما يمكن أن يقوله، ومتى يمكن أن يقوله، ولمن يمكن أن يقوله، وما هي الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
من منظور سوسيولوجي، لا يمكن فهم ديناميات التنظيمات الشبابية باعتبارها مجرد إطار إداري يجمع مجموعة من الشباب حول حزب سياسي، وإنما ينبغي النظر إليها باعتبارها فضاء لإنتاج العلاقات الاجتماعية والسياسية. داخلها يتعلم الفرد ليس فقط كيف يناضل أو يشارك، بل كيف يتعامل مع السلطة، وكيف يفهم القيادة، وكيف يمارس الاختلاف، وكيف يحدد موقعه داخل الجماعة. ومن ثم فإن التنظيم الشبابي يمثل مؤسسة للتنشئة السياسية، لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى مؤسسة لإعادة إنتاج نموذج معين من العلاقة بالسلطة.
في بدايات الانخراط، يحمل الشاب عادة مجموعة من التطلعات المرتبطة بالمشاركة والرغبة في التغيير والبحث عن معنى للانتماء. وقد يكون التنظيم بالنسبة إليه فرصة للتعبير عن مواقفه، وتوسيع شبكة علاقاته، وتطوير قدراته، والاحتكاك بقضايا المجتمع. غير أن هذا الحماس الأولي يصطدم أحيانا ببنية تنظيمية هرمية تجعل القرار متمركزا في مستويات معينة، بينما تظل المستويات الشبابية مطالبة أساسا بالتنفيذ والتعبئة والحضور. ومع مرور الوقت، قد يكتشف الشاب أن المسافة بين المشاركة الرمزية والمشاركة الفعلية في القرار واسعة جدا.
وهنا يظهر أول انزياح في وظيفة التنظيم: من تكوين و بناء الفاعل السياسي إلى تكوين العضو التنظيمي. والفرق بينهما ليس بسيطا. فالفاعل السياسي هو الذي يمتلك القدرة على التفكير والمبادرة والنقد وصناعة الموقف، بينما العضو التنظيمي هو الذي يتقن قواعد الانتماء ويعرف كيف يتحرك داخلها ويحافظ على موقعه ضمنها. وفي الحالة الأولى، يكون التنظيم وسيلة لتطوير استقلالية الفرد؛ وفي الثانية، يصبح التنظيم إطارا لإنتاج الامتثال و التبعية.
إن المشكلة لا تكمن في وجود التنظيم أو القيادة أو الانضباط في حد ذاته. فكل عمل جماعي يحتاج إلى قواعد، وكل تنظيم سياسي يحتاج إلى قدر من التنسيق. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الانضباط من وسيلة لتنظيم العمل إلى قيمة أعلى من التفكير، وعندما يصبح الاختلاف دليلا على عدم الولاء، وعندما يتم الخلط بين وحدة التنظيم ووحدة الآراء. ففي هذه اللحظة، يتراجع البعد التأطيري للتنظيم، ويصبح المطلوب من الشاب ليس أن يفكر في السياسة، وإنما أن يتعلم كيف يتحرك داخل السياسة كما تحددها القيادة.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين التنظيم الشبابي وإعادة إنتاج التبعية. فالشاب لا يدخل إلى فضاء تنظيمي محايد، وإنما يلج إلى بنية قائمة مسبقا، لها تاريخها ورموزها وقياداتها ومواقعها وقواعدها الصريحة والضمنية. ومع الوقت، يتعلم كيف تعمل هذه البنية، ومن يمتلك سلطة القرار، ومن يمتلك القدرة على التأثير، ومن يستطيع الوصول إلى مواقع المسؤولية، ومن يظل في مواقع التنفيذ. وقد يجد أن الكفاءة وحدها لا تكفي دائما للصعود، وأن الاعتراف التنظيمي قد يرتبط أيضا بدرجة القرب من مراكز النفوذ، وبشبكة العلاقات، وبالقدرة على بناء التبعية المتبادلة.
وهكذا يتحول التنظيم الشبابي، بشكل غير مباشر، إلى مدرسة لتعلم التراتبية و الهيمنة الناعمة. يتعلم الشاب أن هناك من يقرر ومن ينفذ، ومن يتحدث باسم التنظيم ومن يكتفي بالاستماع، ومن يمتلك حق تفسير المواقف ومن يكتفي بالدفاع عنها. ومع تكرار هذه الممارسات، تصبح التراتبية أمرا عاديا، بل وقد تصبح جزءا من “الحس التنظيمي” للأعضاء. وهنا تحديدا تعمل الهيمنة بصورة أكثر فعالية، لأنها لا تحتاج دائما إلى الإكراه؛ يكفي أن تصبح القواعد مقبولة ومألوفة إلى درجة أن الأفراد يعيدون إنتاجها بأنفسهم.
هذه المسألة تذكرنا بما يمكن أن نسميه التطبيع الاجتماعي للهيمنة. فالهيمنة لا تستمر فقط لأن هناك قيادة تملك السلطة، وإنما لأنها تنتج لدى الأعضاء تصورات تجعل هذه السلطة تبدو طبيعية. فعندما يقتنع الشاب بأن “الأقدم أحق بالقرار”، أو بأن “القيادة تعرف أكثر”، أو بأن “الاختلاف في العلن يضر بالحزب”، فإنه لا يتلقى فقط توجيها تنظيميا، بل يشارك في إعادة إنتاج ثقافة سياسية معينة.
والأكثر دلالة أن الشاب قد يبدأ في مرحلة ما بممارسة الرقابة على نفسه. لا ينتظر أن تخبره القيادة دائما بما ينبغي أن يقول، لأنه يكون قد استبطن الحدود التنظيمية. يعرف مسبقا ما الذي يمكن نشره، وما الذي ينبغي تجنبه، وما نوع النقد المقبول، وما نوع النقد الذي قد يهدد موقعه. في هذه الحالة تصبح الهيمنة أقل ظهورا وأكثر فعالية، لأنها تنتقل من الخارج إلى الداخل، من التعليمات المباشرة إلى الرقابة الذاتية.
لكن هذه العلاقة ليست أحادية الاتجاه. فالشباب ليسوا مجرد متلقين سلبيين للهيمنة، بل يمكنهم التفاوض والمقاومة وإعادة تشكيل القواعد. داخل كل تنظيم توجد مساحات للاختلاف والمناورة، وقد يظهر شباب قادرون على تحويل التنظيم من فضاء للامتثال إلى فضاء للتجديد. وقد يستخدمون الخطاب نفسه الذي تنتجه المؤسسة للمطالبة بالمشاركة والديمقراطية والشفافية. لذلك فإن السوسيولوجيا لا تنظر إلى الشباب باعتبارهم ضحايا فقط، وإنما باعتبارهم فاعلين قادرين على إنتاج استراتيجيات للتكيف والمقاومة وإعادة التفاوض حول مواقعهم.
وتتخذ هذه العلاقة شكلا أكثر تعقيدا مع التحول الرقمي. فقد أصبح الشاب اليوم يمتلك فضاءات للتعبير خارج التنظيم التقليدي، ويمكنه بناء شبكة علاقات سياسية واجتماعية مستقلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا الأمر أضعف جزئيا قدرة التنظيمات التقليدية على احتكار إنتاج الخطاب السياسي. فلم يعد الشاب مضطرا إلى المرور عبر التنظيم لكي يعبر عن موقفه أو يطرح قضية أو يصل إلى جمهور واسع. لكنه في المقابل قد يدخل في أشكال جديدة من التبعية الرقمية، عندما يتحول حضوره على المنصات إلى مجرد إعادة نشر لمواقف التنظيم والدفاع عنها، أو إلى صراع دائم مع الخصوم، بحيث يصبح الفضاء الرقمي امتدادا للولاء التنظيمي بدل أن يكون فضاء للتفكير المستقل.
إن أزمة التنظيمات الشبابية اليوم ترتبط، في جانب منها، بهذه المفارقة: الشباب يريدون المشاركة، لكنهم لا يريدون أن تكون المشاركة مجرد امتثال؛ ويريدون الانتماء، لكنهم لا يريدون أن يكون الانتماء إلغاء للاستقلالية. وهذا ما يفسر جزءا من المسافة المتزايدة بين الشباب وبعض الأشكال التقليدية للعمل الحزبي. فالشاب المعاصر أصبح أكثر حساسية تجاه مسألة السلطة، وأكثر قدرة على مقارنة التجارب، وأكثر رفضا للعلاقات التي تقوم على التراتبية غير المبررة.
لذلك فإن ضعف جاذبية التنظيمات الشبابية لا ينبغي تفسيره دائما باعتباره عزوفا عن السياسة. قد يكون في بعض الحالات رفضا لشكل معين من أشكال الممارسة السياسية. فالشاب قد يكون مهتما بقضايا المجتمع والعدالة والكرامة والبيئة والتعليم والعمل، لكنه لا يجد بالضرورة نفسه في تنظيم يطلب منه أولا أن يكون عضوا مطيعا قبل أن يكون مواطنا ناقدا.
وهنا نصل إلى السؤال الأساسي: ماذا نريد من التنظيمات الشبابية؟ هل نريدها أن تكون فضاءات لإعادة إنتاج الأحزاب كما هي، أم فضاءات لإعادة التفكير في الأحزاب نفسها؟ إذا كانت الوظيفة هي إنتاج جيل جديد يحمل الخطاب نفسه ويمارس السياسة بالأساليب نفسها، فإن التنظيم الشبابي لن يتجاوز وظيفة إعادة الإنتاج. أما إذا كان الهدف هو تجديد الحياة السياسية، فإن التنظيم ينبغي أن يسمح للشباب بأن يسائلوا التنظيم ذاته، وأن يقترحوا بدائل، وأن ينتقدوا القيادات، وأن يشاركوا فعليا في صياغة القرارات.
إن تمكين الشباب لا يعني فقط منحهم مواقع ومسؤوليات شكلية، أو تنظيم مؤتمرات وملتقيات تحمل عناوين براقة حول المشاركة. التمكين الحقيقي يبدأ عندما يصبح للشاب أثر فعلي في القرار، وعندما لا تكون المسؤولية مجرد مكافأة على الولاء، وعندما يصبح الاختلاف السياسي مقبولا داخل التنظيم، وعندما تتحول الكفاءة والخبرة والمبادرة إلى مصادر حقيقية للشرعية.
فالمشكلة ليست في أن يكون هناك تنظيم شبابي مرتبط بحزب، بل في طبيعة العلاقة التي تربطه بالحزب. هل هو ذراع تعبئة؟ أم فضاء للتكوين؟ هل هو جهاز لتنفيذ قرارات القيادة؟ أم شريك في صناعة القرار؟ هل يتم التعامل مع الشباب باعتبارهم طاقة انتخابية وتنظيمية؟ أم باعتبارهم فاعلين سياسيين لهم رؤاهم ومصالحهم وأسئلتهم الخاصة؟
إن إعادة بناء الثقة بين الشباب والتنظيم السياسي تمر، في اعتقادي، عبر إعادة تعريف معنى التأطير نفسه. فالتأطير السياسي في معناه الديمقراطي لا ينبغي أن يكون عملية نقل عمودي للأفكار من القيادة إلى القاعدة، وإنما عملية تعلم متبادل، تسمح للشباب بتطوير الحس النقدي، وبناء المعرفة السياسية، وفهم المجتمع، وممارسة الحوار، والتدرب على المسؤولية. التأطير الذي لا ينتج استقلالية فكرية يتحول بسهولة إلى تلقين، والتنشئة التي لا تسمح بالاختلاف تتحول إلى إعادة إنتاج للامتثال.
وفي النهاية، فإن السؤال حول الشباب والتنظيم السياسي ليس سؤالا تقنيا يتعلق بعدد المنخرطين أو عدد الأنشطة، وإنما هو سؤال يتعلق بطبيعة السلطة داخل التنظيمات السياسية وبكيفية إنتاج الفاعل السياسي. فالتنظيم الشبابي يمكن أن يكون فضاء لبناء مواطن قادر على التفكير والنقد والمبادرة، لكنه يمكن أيضا أن يتحول إلى فضاء يتعلم فيه الفرد كيف يتكيف مع التراتبيات القائمة ويحافظ عليها.
وبين النموذجين تتحدد وظيفة التنظيم السياسي ومستقبله. فإذا ظل الشباب مطالبين بالحضور أكثر من المشاركة، وبالولاء أكثر من التفكير، وبالتنفيذ أكثر من صناعة القرار، فإن التنظيمات الشبابية ستظل معرضة للتحول إلى آليات لإعادة إنتاج التبعية والهيمنة. أما إذا أصبح الشاب شريكا حقيقيا، يمتلك الحق في السؤال والاختلاف والاقتراح والمبادرة والمحاسبة، فإن التنظيم يمكن أن يستعيد وظيفته الأصلية كمدرسة للمواطنة ومختبر للتجديد السياسي.
فالرهان في النهاية ليس أن نُدخل الشباب إلى التنظيمات السياسية، وإنما أن نغير طبيعة المكان الذي يدخلون إليه. لأن إدماج الشباب داخل بنية مغلقة لا ينتج بالضرورة تجديدا، بل قد ينتج جيلا جديدا يعيد إنتاج البنية نفسها. أما حين يصبح التنظيم فضاء لتعلم الديمقراطية لا مجرد الحديث عنها، ولتجريب المشاركة لا مجرد الاحتفال بها، ولإنتاج الاختلاف لا الخوف منه، فإن الشباب لا يعودون مجرد موضوع للتأطير، بل يصبحون فاعلين في إعادة بناء السياسة نفسها





