فلسفة النضال وبناء مسار التجار والمهنيين

هيئة التحرير17 ديسمبر 2025
فلسفة النضال وبناء مسار التجار والمهنيين

بقلم :ايت اوداود اباهيم
إن العودة إلى المعرفة ليست فعل استذكار، بل ممارسة نقدية تُعيد ترتيب العلاقة بين الفكر والفعل، فالقراءة حين تتحول إلى أداة تحليل، تكشف أن النضال ليس مجرد سلسلة من الوقائع، بل بناء تاريخي يتطور بتطور الوعي الجماعي للفئات المنخرطة فيه، ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم مسار نضال التجار والمهنيين خارج سياقه البنيوي، حيث تتقاطع التحولات السياسية والاقتصادية مع تطور الإنسان النضالي ذاته.
لقد عرف هذا النضال في لحظاته التأسيسية الأولى، شكلًا احتجاجيًا مباشرًا، فرضته محدودية القنوات المؤسساتية، وضعف آليات الوساطة، وغياب الاعتراف بالتجار والمهنيين كفاعل اجتماعي منظم، كان الشارع آنذاك فضاء التعبير الوحيد الممكن، لا لأنه الخيار الأمثل، بل لأنه الخيار المتاح، وقد أدى هذا الشكل من النضال دورًا تاريخيًا في فرض الوجود وانتزاع الاعتراف، لكنه ظل محكومًا بمنطق الضغط الظرفي، غير القادر على إنتاج تأثير مستدام داخل بنية القرار.
ومع تطور الدولة القانونية، واتساع هامش الحريات، انتقل النضال إلى مرحلة ثانية أكثر تركيبًا، تمثلت في بناء المطالب وصياغتها والترافع عليها داخل الأطر القانونية والمؤسساتية. هنا بدأ التحول من الفعل العفوي إلى الفعل المنظم، ومن الاحتجاج المباشر إلى الترافع المؤسسي القائم على الحجة ، ومن الشعار إلى الملف، هذا الانتقال لم يكن تقنيًا فقط، بل معرفيًا، إذ استدعى امتلاك أدوات التحليل الاقتصادي، وفهم المنظومة القانونية، واستيعاب منطق السياسات العمومية.
وفي عمق هذا التحول، ارتقى التجار والمهنيون في فكرهم وتكوينهم ووعيهم بدورهم التاريخي، فلم يعودوا مجرد فئة مطلبية، بل أصبحوا فاعلين يمتلكون رصيدًا معرفيًا وثقافيًا يؤهلهم للانخراط في النقاش العمومي، وفهم تعقيدات القرار، والمساهمة في صياغته، هذا الارتقاء لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة نضال طويل، كان المناضل الأول في قلبه، حين أدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة حقوق، بل معركة وعي وتكوين، فبناء جيل مثقف قادر على استكمال المسار ورفع مستوى النضال، كان شرطًا أساسيًا للانتقال من رد الفعل إلى الفعل الواعي.
غير أن النضال حين يبلغ هذا المستوى من النضج، يصطدم بسقف موضوعي لا يمكن تجاوزه دون تغيير موقعه داخل بنية السلطة، فالترافع مهما بلغ من القوة، يظل محدود الأثر ما لم يُترجم إلى تشريع وقرارات ملزمة، ومن هنا تفرض المرحلة الراهنة انتقالًا نوعيًا ثالثًا في أشكال النضال، يتمثل في التموقع داخل مراكز اتخاذ القرار، عبر الحضور المنظم داخل الأحزاب السياسية، والانخراط الفعلي في المؤسسات المنتخبة، المحلية والمهنية والوطنية.
إن الجماعات الترابية لم تعد فضاءات تدبير تقني فقط، بل مواقع استراتيجية تُنتج قرارات تمسّ جوهر النشاط التجاري والمهني، من الجبايات إلى تنظيم الأسواق، والبرلمان هو المجال الذي تتحول فيه الرؤى إلى قوانين، ولا يعقل أن يظل التجار والمهنيون خارج هذا الفضاء، متلقين لنتائج التشريع دون المشاركة في صناعته أو في صدّ القرارات التي قد تعرقل مسارهم، أما الأحزاب السياسية، فهي القناة التي تنتقل عبرها المطالب من مستوى الترافع إلى مستوى القرار، ومن المحلي إلى الوطني.
إن فلسفة النضال في هذه المرحلة لا تقوم على القطيعة مع الأشكال السابقة، بل على التكامل معها، نضال يفهم أن الاحتجاج كان ضرورة، وأن الترافع كان تطورًا، وأن التموقع داخل القرار هو شرط الاستدامة، نضال ينتقل من الدفاع عن المصالح إلى المشاركة في صناعتها، ومن المطالبة بالحقوق إلى حمايتها وتشريعها، ومن الهامش إلى المركز.
هكذا يصبح نضال التجار والمهنيين تعبيرًا عن وعي تاريخي جديد، وامتدادًا طبيعيًا لمسار طويل من التراكم الفكري والتنظيمي، نضال لا يطلب موقعًا بالشفقة، بل يستحقه بالكفاءة والتكوين والتجربة، ويؤسس لمرحلة يكون فيها الفاعل المهني شريكًا كاملًا في صناعة القرار، لا موضوعًا له.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.