الخوارزميات وصناعة الحدث الاجتماعي: المنصات الرقمية وآثارها في تشكيل قضايا الرأي العام في السياق المغربي

هيئة التحرير20 أكتوبر 2026
الخوارزميات وصناعة الحدث الاجتماعي: المنصات الرقمية وآثارها في تشكيل قضايا الرأي العام في السياق المغربي

ذ.أغياي محمد/ أستاذ باحث في السوسيولوجيا

لم يعد الحدث في المجتمعات المعاصرة مجرد واقعة اجتماعية تحدث في زمان ومكان محددين، ثم تنتقل إلى الجمهور عبر وسائل الإعلام التقليدية، بل أصبح سيرورة اجتماعية ورقمية تتداخل في إنتاجها وتداولها وتأويلها المنصات الرقمية والخوارزميات وشبكات المستخدمين. فقد أعادت الرقمنة تشكيل العلاقة بين الحدث والواقع، وبين المعلومة والتأثير، وبين الفاعل الاجتماعي والجمهور، بحيث لم يعد الحدث ينتهي عند حدود وقوعه المادي، بل يستمر داخل الفضاء الرقمي من خلال الصور ومقاطع الفيديو والتعليقات والوسوم والتفاعلات المتشابكة التي تمنحه معاني متعددة وتجعله موضوعا للصراع حول التأويل والتمثيل. ومن هذا المنطلق، فإن دراسة الأحداث في السياق المغربي تقتضي تجاوز النظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مجرد أدوات لنقل الأخبار، نحو تحليلها بوصفها فضاءات تساهم في تحديد ما يظهر في المجال العمومي، وما يستقطب الانتباه الجماعي، وكيف تتشكل المواقف والتمثلات حول القضايا الاجتماعية والسياسية.
ويمكن مقاربة هذه التحولات بالاستناد إلى نظريتين سوسيولوجيتين متكاملتين: نظرية المجتمع الشبكي لمانويل كاستلز، ونظرية المجال والسلطة الرمزية لبيير بورديو. تسمح النظرية الأولى بفهم الكيفية التي تعيد بها الشبكات الرقمية تنظيم التواصل والتعبئة وتداول المعلومات، بينما تتيح الثانية تحليل الصراعات حول إنتاج المعنى وامتلاك سلطة التأثير وتحديد القضايا التي تحظى بالاعتراف داخل المجال العمومي. وتكمن أهمية الجمع بينهما في تجاوز التفسير التقني الذي يختزل التحولات الاجتماعية في خصائص المنصات، والتفسير الرمزي الذي قد يغفل البنيات التقنية والاتصالية التي أصبحت تؤطر الممارسات الاجتماعية.
من منظور “مانويل كاستلز”، لم تعد السلطة في المجتمع المعاصر ترتبط فقط بامتلاك الموارد الاقتصادية أو بمراقبة المؤسسات التقليدية لإنتاج المعلومات، بل أصبحت تتصل أيضا بالقدرة على التواصل داخل الشبكات، وصياغة الرسائل، وتعميمها، والتأثير في الطريقة التي يدرك بها الأفراد القضايا المشتركة. فالمنصات الرقمية تتيح إمكانات جديدة لربط الفاعلين وتبادل التجارب وبناء سرديات جماعية تتجاوز الحدود الجغرافية والاجتماعية. وفي السياق المغربي، يتجلى هذا التحول في تنامي استخدام شبكات التواصل للتعبير عن المطالب الاجتماعية، وتداول الأخبار المتعلقة بالخدمات العمومية، وانتقاد السياسات العامة، وتوثيق الوقائع التي تتحول أحيانا إلى موضوع للنقاش الوطني. وقد أصبح بإمكان مستخدم عادي، من خلال صورة أو شهادة أو مقطع مصور، أن يساهم في توسيع دائرة الاهتمام بقضية معينة، متى وجدت مادته صدى داخل الشبكات الاجتماعية، فالمنصة الرقمية لا تؤدي وظيفة تقنية محايدة، بل تصبح جزءا من البنية التي تسمح بتشكيل العلاقات بين الفاعلين، وتداول المعلومات، وتنسيق المبادرات، وإعادة تنظيم بعض أشكال الفعل الجماعي.
غير أن نظرية المجتمع الشبكي، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير التفاوت في فرص الظهور والتأثير داخل المنصات الرقمية. فوجود الشبكة لا يعني أن جميع المشاركين يمتلكون القدرة نفسها على الوصول إلى الجمهور أو توجيه النقاش. وهنا تبرز أهمية نظرية بيير بورديو في تحليل المجال والسلطة الرمزية، إذ يمكن النظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مجالا للتنافس بين فاعلين يمتلكون موارد متفاوتة، ويسعون إلى فرض تعريفاتهم للأحداث وإضفاء المشروعية على مواقفهم. فالمؤسسات الإعلامية، والفاعلون السياسيون، وصناع المحتوى، والمستخدمون العاديون لا يدخلون النقاش الرقمي بالشروط نفسها، بل تتفاوت قدرتهم على جذب الانتباه وتوجيه التأويل تبعا لما يمتلكونه من رأسمال اجتماعي وثقافي ورمزي، فضلا عن الموارد التقنية والاقتصادية المتاحة لهم.
ووفقا لهذا المنظور، لا يتعلق الصراع حول الحدث بمجرد نشر المعلومات، بل يمتد إلى تحديد الرواية التي تحظى بالمصداقية، والجهة التي تمتلك حق تفسير الوقائع، والقضايا التي تستحق أن تتحول إلى موضوع للنقاش العمومي. فقد يساهم مقطع مصور في إثارة نقاش واسع حول خدمة عمومية أو واقعة اجتماعية، لكن المعنى الذي سيكتسبه هذا المقطع يظل مرتبطا بطريقة تأطيره، والجهات التي تتداوله، والتعليقات التي تصاحبه، والتفسيرات المتنافسة التي تنتج حوله. وهكذا، يصبح الحدث الرقمي مجالا للصراع الرمزي، حيث تتنافس الروايات على اكتساب الاعتراف وفرض تفسير معين للواقع.
وفي السياق المغربي، تتيح هذه المقاربة فهم العلاقة المعقدة بين الخطاب الرسمي، والتغطية الإعلامية، والمحتوى الذي ينتجه المواطنون، وتأويلات المؤثرين الرقميين. فقد تنتقل قضية من منصة اجتماعية إلى وسائل الإعلام التقليدية، ثم تعود إلى المنصات في صورة نقاشات وانتقادات جديدة. غير أن هذا التفاعل لا يلغي التفاوت في القوة بين الفاعلين، كما لا يعني أن الرواية الأكثر انتشارا هي بالضرورة الأكثر دقة أو تمثيلا لمواقف المجتمع. فقد تكتسب بعض المحتويات انتشارا واسعا بفعل قدرتها على إثارة الانفعال أو الجدل، بينما تظل قضايا أخرى محدودة التداول رغم أهميتها. ومن ثم، فإن سلطة التأثير لا ترتبط فقط بما يقوله الفاعل، بل أيضا بموقعه داخل الشبكة، وبالموارد التي يمتلكها، وبقدرته على تحويل خطابه إلى مرجع لتفسير الحدث.
وتتداخل هذه الصراعات الرمزية مع الدور الذي تؤديه الخوارزميات في تنظيم الظهور الرقمي. فالمنصات تعتمد أنظمة لترتيب المحتويات وتوصيتها للمستخدمين، وهو ما يؤثر في فرص انتشار بعض المنشورات وتراجع أخرى. ويمكن تحليل هذه الآلية من خلال الجمع بين النظريتين: فالمقاربة الشبكية توضح كيف تنتقل الرسائل بين الفاعلين، بينما تبرز مقاربة بورديو أن فرص التأثير ليست متساوية، وأن الظهور الرقمي يتحول إلى مورد يمكن أن يعزز مكانة بعض الفاعلين داخل المجال. ومع ذلك، ينبغي عدم التعامل مع الخوارزميات باعتبارها آلية تتحكم بصورة مطلقة في الرأي العام، لأن تأثيرها يتفاعل مع اهتمامات المستخدمين، وسياقات الأحداث، وطبيعة الشبكات الاجتماعية، والموارد التي يمتلكها الفاعلون.
وتكشف هذه الدينامية عن مفارقة أساسية في المجتمع المغربي: فمن جهة، وسعت المنصات إمكانات التعبير والتوثيق والمشاركة، وقلصت بعض الحواجز التي كانت تفصل المواطنين عن إنتاج المعلومات وتداولها؛ ومن جهة أخرى، أفرزت تفاوتات جديدة في الوصول إلى الجمهور، وجعلت الانتباه موردا متنازعا عليه، وفتحت المجال أمام تداول معلومات مضللة أو تأويلات متعارضة للوقائع. كما أن ارتفاع عدد المشاهدات والتعليقات لا يعكس بالضرورة رأيا عاما متماسكا، لأن التفاعل قد ينتج عن الغضب أو الاعتراض أو السخرية، وليس عن الاقتناع بمضمون المحتوى. لذلك، لا يمكن اعتبار الانتشار الرقمي دليلا كافيا على حدوث تغيير اجتماعي أو سياسي، بل ينبغي تحليل العلاقة بين التداول الرقمي والتحولات الفعلية في المواقف والسلوكيات واستجابات المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، فإن دراسة الرأي العام المغربي في البيئة الرقمية تقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة: انتشار الحدث داخل الشبكات، وإعادة تأويله ضمن الصراع الرمزي بين الفاعلين، ثم انتقال أثره المحتمل إلى الممارسات الاجتماعية أو القرارات المؤسساتية. فقد ينجح المحتوى في استقطاب الانتباه دون أن يؤدي إلى تعبئة ميدانية، وقد تتحول قضية إلى موضوع للنقاش العام دون أن تفضي إلى تغيير في السياسات العمومية. وفي المقابل، يمكن للتفاعل الرقمي، عندما يرتبط بسياق اجتماعي مناسب وبشبكات قادرة على التنسيق وبمطالب واضحة، أن يساهم في توسيع المشاركة الجماعية وتعزيز حضور قضايا معينة في المجال العمومي. ويتطلب إثبات هذا التأثير دراسة ميدانية تتبع مسار الحدث، وتحلل المنشورات والتفاعلات، وتقارنها بالتغطية الإعلامية واستجابات الفاعلين والمؤسسات.
إن الجمع بين نظرية المجتمع الشبكي ونظرية المجال والسلطة الرمزية يسمح، في النهاية، ببناء فهم أكثر تركيبا لدور وسائل التواصل الاجتماعي في المغرب. فالأولى تفسر إمكانات الاتصال والتعبئة وانتقال الرسائل، والثانية تكشف التفاوتات والصراعات التي تحدد من يستطيع التأثير، وأي الروايات تحظى بالاعتراف، وكيف يجري بناء المعنى الاجتماعي للأحداث. وبهذا المعنى، لا تمثل المنصات الرقمية فضاءات محايدة تعكس المجتمع كما هو، ولا أدوات مستقلة قادرة على إحداث التغيير بمعزل عن الواقع، بل تشكل بنى اجتماعية وتقنية يعاد داخلها تنظيم التواصل والسلطة والتأثير.
وعليه، فإن سوسيولوجيا الحدث في السياق المغربي لا ينبغي أن تكتفي برصد ما تتداوله المنصات، بل يتعين عليها أن تبحث في الشروط التي تجعل واقعة معينة تتحول إلى قضية عامة، وفي الآليات التي تمنحها انتشارا وتأثيرا، وفي حدود قدرة هذا التأثير على تجاوز التعبير الرقمي نحو الفعل الاجتماعي. فالرهان الأساسي لا يتمثل في إثبات أن وسائل التواصل الاجتماعي تغير الأحداث بصورة مطلقة، وإنما في فهم الكيفية التي تعيد بها تشكيل ظهورها وتأويلها وتداولها، وكيف تتفاعل الشبكات الرقمية وموازين القوة الرمزية مع البنيات الاجتماعية والسياسية القائمة. ومن خلال هذا المنظور، تصبح المنصات مدخلا أساسيا لفهم تحولات الرأي العام المغربي، وأشكال المشاركة الجديدة، والصراع على المعنى والاعتراف والتأثير داخل المجال العمومي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.