حين نطق المسرح… القنيطرة تحكي تاريخها والخميسات تنتظر دورها

هيئة التحرير7 نوفمبر 2025
حين نطق المسرح… القنيطرة تحكي تاريخها والخميسات تنتظر دورها

بقلم لطيفة بنعاشير
حين يتكلم المسرح، تصمت المدن. وحين تصعد القنيطرة إلى الخشبة، يصغي التاريخ بكل جوارحه.
القنيطرة هذا المساء لم تكتف بالاحتفال… بل أعادت كتابة تاريخها بصوت الفن، وضوء الوعي، ونبض الذاكرة.
في زمن يخنق فيه الإبداع بين اللامبالاة والضجيج، خرجت القنيطرة لتقول للعالم:
الفن ليس ترفا… المسرح ليس تسلية، بل ذاكرة وطن ومرافعة من أجل الإنسان.
في عرض فريد حمل عنوان “القنيطرة: معبر الحضارات”، من تأليف وإخراج الأستاذ محمد أبو سيف، وتنظيم جمعية فوانيس المسرح والسينما للتنمية والثقافة، بشراكة مع جماعة القنيطرة، عاشت المدينة أمسية وطنية من الطراز الرفيع بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة.
لكن الملحمة تجاوزت المناسبة لتصبح وثيقة فنية شاهدة على روح القنيطرة — المدينة التي ولدت من رحم المقاومة، ونمت على ضفاف التاريخ، فكانت بحق “معبرا للحضارات” وذاكرة حية للوطن.
على الخشبة، لم يكن الفنانون يمثلون… بل يعيدون الحياة إلى التاريخ.
الضوء يتمايل كحلم قديم، والكلمة تتنفس من عمق الأرض، والصوت يعلو من قلب الشعب.
كورال جمعية هواة الملحون صدح بصوت الوطن، فتماهى الغناء مع الدموع، والإبداع مع الانتماء.
كنت أتابع العرض وقلبي يضطرب فخرا، ودموعي تسبق تصفيقي.
كانت لحظة صدق نادرة، فيها يلتقي الفن بالوجدان، والمسرح بالوطن.
لكن… وسط هذا الجمال، تسلل سؤال كحد السكين إلى ذهني:
– وماذا عن الخميسات؟
– متى سيحظى إقليم الخميسات بمثل هذه الملاحم التي تحكي تاريخه العريق؟
– أليس للخميسات مقاوموها وأبطالها وشهداؤها؟ أليس لها ذاكرة تستحق أن تروى فوق الخشبة؟
وأنا أصفق للقنيطرة، كان في داخلي تصفيق مؤجل لخميسات أخرى… مدينة تملك تاريخا لا يقل إشراقا، لكنها غائبة عن المشهد الفني، منفية عن الضوء وعن حقها في الحكاية.
ثم يأتي السؤال الأعمق:
– متى سيتحرك المجلس الإقليمي وجماعة الخميسات لدعم الفعل الثقافي الحقيقي، لا الأنشطة الموسمية التي تحصر الفن في أغاني شعبية؟
– متى سيفهم المسؤولون أن المسرح مدرسة وعي لا منصة احتفال؟
– ومتى سيكتب على المركب الثقافي بالخميسات أنه احتضن أبناءه بدل أن يظل مغلقا كأنه نسي ما وجد من أجله؟
لقد شوه بعض “المنتفعين” صورة العمل الجمعوي والثقافي بالإقليم — حولوه من رسالة نبيلة إلى وسيلة للظهور.
لكن الخميسات ما زالت تنبض بالمبدعين الحقيقيين، بالشباب الذين يكتبون ويغنون ويرسمون رغم التهميش.
هم لا يحتاجون إلا إلى فرصة، إلى من يفتح الأبواب بدل أن يغلقها، إلى من يؤمن أن الثقافة ليست كماليات… بل حياة.
القنيطرة اليوم كتبت ملحمتها على الخشبة، أحيت ذاكرة مدينتها، وأثبتت أن الفن حين يصدق يصبح وطنا آخر.
أما الخميسات… فما زالت تنتظر من يكتب فصلها، من ينصت لنبضها، من يؤمن أن صمتها ليس غيابا، بل اختناقا ينتظر الحرية.
فالمسرح ليس رفاهية المدن، بل صوتها حين تخرسها السياسة، وذاكرتها حين يغتال الحلم.
القنيطرة رفعت الستار على التاريخ، فمتى ترفع الخميسات الستار على الحقيقة؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.