بقلم ذ.محمد أغياي
*أستاذ باحث في السوسيولوجيا/مكون معتمد في الديمقراطية التشاركية والسياسات العمومية*
لم تعد الانتخابات التشريعية مجرد آلية إجرائية لتحويل الأصوات إلى مقاعد، بل أصبحت لحظة اجتماعية وسياسية تتقاطع فيها التحولات المجالية والبنيات الاجتماعية وأنماط التواصل والتمثلات الجماعية. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026 بمدينة سلا تقتضي تجاوز الوصف الكمي للنتائج نحو فهم الشروط التي يتشكل داخلها الاختيار السياسي، والعوامل التي تعيد تنظيم العلاقة بين الناخبين والأحزاب والفاعلين المحليين. فالانتخابات لا تعكس فقط موازين التنافس الحزبي، وإنما تكشف أيضا عن طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة، وعن التحولات التي تطال أشكال المشاركة والتمثيل السياسي.
تكتسي مدينة سلا أهمية سوسيولوجية بالنظر إلى التحولات التي يعرفها مجالها الحضري، وما يتسم به من تداخل بين الأحياء التاريخية والمجالات السكنية الحديثة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية، فضلا عن ارتباطه الوظيفي بالعاصمة الرباط. فالمجال الحضري ليس إطارا جغرافيا محايدا تجري داخله العملية الانتخابية، بل بنية اجتماعية تتوزع ضمنها الموارد والفرص وشبكات العلاقات بصورة متفاوتة، وتتحدد من خلالها تجارب المواطنين مع المؤسسات والخدمات العمومية. لذلك، فإن الاختيار الانتخابي لا ينفصل عن التجربة اليومية للسكان، وعن انتظاراتهم المرتبطة بالتشغيل والسكن والتعليم والصحة والنقل، ولا عن تمثلاتهم بشأن قدرة الفاعلين السياسيين على الاستجابة لمطالبهم.
وتسمح المقارنة بين دائرتي سلا المدينة وسلا الجديدة بطرح أسئلة حول العلاقة بين الخصائص المجالية والسلوك الانتخابي. فوفق النتائج المنشورة، تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج في الدائرتين، مع اختلاف ترتيب الأحزاب الأخرى ونسب المشاركة المسجلة. ولا ينبغي تفسير هذه الفوارق بصورة آلية انطلاقا من الخصائص العمرانية أو الاجتماعية لكل دائرة، بل اعتبارها مدخلا لدراسة أثر السياقات المحلية، وحضور المرشحين، والموارد التنظيمية للأحزاب، وشبكات العلاقات الاجتماعية، وأنماط التعبئة الانتخابية. فالأرقام تحدد اتجاهات التصويت المعلنة، لكنها لا تكشف وحدها الدوافع التي وجهت اختيارات الناخبين أو المعاني التي يمنحونها لفعل التصويت.
وفي هذا السياق، يوفر مفهوم المجال عند بيير بورديو مدخلا لفهم المنافسة الانتخابية بوصفها صراعا بين فاعلين يسعون إلى تحويل مواردهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرمزية إلى اعتراف انتخابي. فالقدرة على استقطاب الأصوات لا ترتبط بالبرامج وحدها، بل قد تتأثر أيضا بشبكات العلاقات المحلية، والسمعة الاجتماعية، والخبرة السياسية، والصورة التي يحملها الناخبون عن المرشحين. كما يسمح مفهوم الهابيتوس بفهم كيفية تشكل التفضيلات السياسية عبر التجارب الاجتماعية المتراكمة، دون اختزال السلوك الانتخابي في المحددات الطبقية أو افتراض خضوع الناخب للبنيات الاجتماعية بصورة حتمية. فالاختيار السياسي ينتج عن تفاعل بين الاستعدادات المكتسبة والظروف الراهنة، وبين التجارب السابقة والانتظارات المستقبلية.
وتبرز أهمية المجال الحضري كذلك في كونه فضاء تتجسد داخله علاقة المواطن بالمؤسسات من خلال التجارب اليومية. فمدى الولوج إلى الخدمات العمومية وجودة البنيات التحتية وفرص العمل والسكن قد يؤثر في تقييم الأداء السياسي وفي الثقة بالأحزاب والمنتخبين. وعندما تتسع الفجوة بين انتظارات السكان والاستجابات المؤسسية، يمكن أن تتغير علاقتهم بالتمثيل السياسي، سواء عبر مراجعة اختياراتهم الانتخابية أو التردد في المشاركة أو الامتناع عن التصويت. غير أن هذه العلاقة ليست آلية؛ فالحرمان الاجتماعي لا يؤدي بالضرورة إلى العزوف، كما أن تحسن الخدمات لا يضمن تلقائيا ارتفاع المشاركة، الأمر الذي يجعل البحث الميداني ضروريا لفهم اختلاف المواقف والدوافع.
وإذا كانت التحولات المجالية تعيد تشكيل شروط العلاقة بين المواطنين والسياسة، فإن التحول الرقمي يغير بدوره الوسائط التي تتكون عبرها المعرفة السياسية والصورة العامة للمرشحين والأحزاب. فقد امتدت الحملات الانتخابية إلى شبكات التواصل الاجتماعي والمنشورات الرقمية ومقاطع الفيديو والتفاعلات الافتراضية، مما جعل المجال السياسي المحلي يتجاوز حدوده الجغرافية نحو فضاء أوسع لتداول الخطابات والصور والتمثلات. ولم يعد التواصل السياسي مقتصرا على اللقاءات المباشرة والتجمعات الحزبية، بل أصبح يشمل أشكالا جديدة من التعبئة والتأثير والتعبير عن المواقف.
ومن منظور سوسيولوجيا التواصل، لا يمثل الفضاء الرقمي مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل مجالا لإنتاج المعاني وتشكيل الانطباعات والتفاوض حول صورة الفاعل السياسي. فقد تسهم المنشورات والتعليقات والتفاعلات الرقمية في توجيه الانتباه إلى قضايا معينة أو إعادة تشكيل تقييم المرشحين، كما تتيح للمواطنين التعبير عن انتظاراتهم وانتقاد الخطاب الانتخابي. غير أن كثافة الحضور الرقمي لا تعني بالضرورة القدرة على تحويل التفاعل الافتراضي إلى أصوات انتخابية، لأن المشاهدة والإعجاب والتعليق لا تساوي الاقتناع السياسي أو المشاركة الفعلية. لذلك ينبغي التمييز بين الانتشار الرقمي والتأثير في التمثلات والسلوك الانتخابي، وعدم اعتبار العلاقة بينها علاقة سببية مثبتة دون معطيات ميدانية.
كما أن المجال الرقمي لا يلغي التفاوتات الاجتماعية، بل قد يعيد إنتاجها في صور جديدة، بالنظر إلى اختلاف القدرة على الولوج إلى التكنولوجيا والمهارات الرقمية ومصادر المعلومات. وتؤثر هذه الفوارق في إمكانات متابعة الخطاب السياسي وفهمه والمشاركة في إنتاجه وتداوله. ومن ثم، فإن دراسة التحول الرقمي في المجال السياسي بسلا تستدعي فحص العلاقة بين الاستخدامات الرقمية والخصائص الاجتماعية للناخبين، ومدى تداخل التواصل الافتراضي مع العلاقات المحلية وشبكات الثقة والتفاعل المباشر.
وفي هذا الإطار، يمكن توظيف مفهوم الرأسمال الاجتماعي لفهم دور شبكات الجوار والعلاقات الأسرية والمهنية والجمعوية في تداول المعلومات السياسية والتعبئة الانتخابية. كما يتيح التفاعل الرمزي تحليل الكيفية التي يكتسب بها المرشح معناه الاجتماعي لدى الناخبين، من خلال صورته وخطابه وسلوكه وتجارب المواطنين السابقة معه. فالاختيار السياسي ليس استجابة آلية لبرنامج انتخابي، وإنما فعل يتضمن تأويلا للرموز وتقييما للفاعلين داخل سياقات اجتماعية متباينة. وتختلف هذه التأويلات باختلاف المواقع الاجتماعية والخبرات والانتظارات، وهو ما يجعل فهم السلوك الانتخابي مرتبطا بتحليل المعاني التي ينتجها المواطنون حول السياسة والتمثيل.
وتطرح نسب المشاركة المسجلة في دائرتي سلا المدينة وسلا الجديدة سؤالا إضافيا حول طبيعة العلاقة بين المواطنين والاقتراع. فالامتناع عن التصويت لا يمكن اختزاله في اللامبالاة السياسية، إذ قد يرتبط بضعف الثقة في الأحزاب أو محدودية الاقتناع بالمرشحين أو الشعور بضعف تأثير الصوت الانتخابي، كما قد ينتج عن اعتبارات عملية مختلفة. وقد يستمر اهتمام بعض الممتنعين بالشأن العام من خلال النقاشات الرقمية أو الأنشطة الجمعوية، في حين لا تعني المشاركة الافتراضية بالضرورة الاستعداد للمشاركة الانتخابية. لذلك ينبغي التمييز بين الاهتمام السياسي والتعبير عن المواقف والانخراط في التنظيمات والمشاركة الفعلية في الاقتراع.
إن تفسير هذه التحولات يتطلب منهجيا الجمع بين تحليل النتائج الانتخابية الرسمية والمقارنة بين الدائرتين، ودراسة الخطابات والمواد الرقمية خلال الحملة، وإجراء مقابلات مع ناخبين شاركوا في التصويت وآخرين امتنعوا عنه، فضلا عن استكشاف تصورات الفاعلين الحزبيين والجمعويين. كما تتيح المقارنة مع الاستحقاقات السابقة، متى توفرت بيانات متجانسة، رصد استمرارية الاختيارات الحزبية أو تغيرها، مع الحذر من استنتاج التحولات الفردية انطلاقا من النتائج الإجمالية وحدها. ويسمح هذا التكامل المنهجي بالانتقال من وصف النتائج إلى تفسيرها في ضوء البنيات الاجتماعية والمجالية واستراتيجيات الفاعلين وممارسات التواصل السياسي.
وخلاصة القول، تكشف الانتخابات التشريعية لسنة 2026 بمدينة سلا عن أهمية دراسة المجال السياسي المحلي بوصفه نتاجا لتفاعل مستمر بين التحولات الحضرية والبنيات الاجتماعية والوسائط الرقمية. فالمجال ليس مجرد مسرح للتنافس الحزبي، والفضاء الرقمي ليس أداة محايدة للتواصل، بل يشكل كلاهما شروطا تؤثر في تداول الخطاب السياسي وفي بناء التمثلات وتنظيم المشاركة. ولا يعني ذلك أن التكنولوجيا حلت محل العلاقات المباشرة أو أن التحولات المجالية تحدد الاختيارات الانتخابية بصورة حتمية، بل إن السلوك السياسي يتشكل من خلال تفاعل معقد بين الموارد الاجتماعية والرمزية، والخبرات اليومية، وشبكات العلاقات، ومصادر المعلومات.
وعليه، فإن القيمة السوسيولوجية لهذه المقاربة تكمن في تجاوز اختزال الانتخابات في ترتيب الأحزاب وتوزيع المقاعد، نحو فهم الشروط التي تنتج الاختيار السياسي وتعيد تشكيل علاقة المواطنين بالتمثيل والمشاركة. فدراسة سلا تتيح مساءلة الكيفية التي تتقاطع بها التحولات المجالية والرقمية في إعادة تنظيم المجال السياسي المحلي، وتبرز أن فهم النتائج الانتخابية لا يتحقق بالأرقام وحدها، بل بتحليل المجتمع الذي ينتجها، والتجارب التي تمنحها معناها، والتحولات التي تعيد رسم حدود العلاقة بين المواطن والسياسة.





