متابعة لحسن شريف
لم تعد الوضعية التي تعيشها مدينة الجديدة مجرد تفاصيل يومية متفرقة أو اختلالات محدودة يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثًا عابرة، بل أصبحت مجموعة من الملفات والقضايا التي تثير اهتمام الساكنة والفاعلين المحليين والإعلاميين، وتطرح في الوقت نفسه أسئلة مشروعة حول كيفية تدبير المرافق العمومية، ومدى فعالية آليات التتبع والمراقبة، وحدود مسؤولية كل مؤسسة من المؤسسات المتدخلة في تدبير الشأن المحلي؛ فمدينة الجديدة، التي يفترض أن تستقبل زوارها في ظروف تليق بمكانتها ومؤهلاتها، تجد نفسها، خلال فترات تعرف تنظيم تظاهرات وفعاليات تستقطب زوارًا ووفودًا من داخل المغرب وخارجه، أمام مشاهد مرتبطة بالنظافة والمشهد الحضري والروائح الكريهة وتراكم النفايات في بعض المواقع، وهي معطيات، إذا ثبتت ميدانيًا ورسميًا، لا يمكن فصلها عن النقاش الأوسع حول جودة الخدمات العمومية ونجاعة تدبيرها، خصوصًا أن مرفق النظافة يرتبط بشكل مباشر بجودة الحياة اليومية للمواطنين وبالصحة والسلامة والبيئة؛ ومن هنا لا يقتصر السؤال المشروع على معرفة ما إذا كان المجلس الجماعي يقوم بالمهام المنوطة به، وإنما يمتد إلى معرفة طبيعة آليات التتبع والمراقبة التي يتم تفعيلها من طرف مختلف السلطات والجهات المختصة، كل في حدود الاختصاصات التي يمنحها له القانون، ذلك أن مطالبة السلطة الإقليمية بالتوضيح أو التدخل لا تعني مطالبتها بالحلول محل المجلس الجماعي أو ممارسة اختصاصاته الذاتية، وإنما تعني التساؤل عن مدى قيامها بالأدوار القانونية المرتبطة بالمراقبة الإدارية والتنسيق والتتبع واتخاذ الإجراءات التي يسمح بها القانون عندما تتوفر شروطها؛ فالقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات وضع إطارًا قانونيًا لتوزيع الاختصاصات بين الجماعة وسائر المتدخلين، كما أقر مجموعة من الآليات التي يمكن اللجوء إليها في حالات محددة، من بينها ما تنص عليه المادة 64 بشأن الأفعال التي قد يرتكبها رئيس المجلس وتكون مخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، حيث تنظم هذه المادة مسطرة تبدأ بمراسلة المعني بالأمر قصد الإدلاء بإيضاحات كتابية، قبل إمكانية إحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية لطلب العزل وفق الشروط والضوابط التي يحددها القانون، وهو ما يعني أن الحديث عن المادة 64 يجب ألا يتحول إلى مطالبة مسبقة بالعزل أو إلى حكم على أي مسؤول، وإنما ينبغي أن يظل مرتبطًا بتوفر وقائع ثابتة وأفعال محددة ومساطر قانونية سليمة؛ ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم في الجديدة ليس: من المسؤول عن كل اختلال؟ وإنما: هل تم، في كل ملف، تحديد المسؤوليات وفق الاختصاصات القانونية؟ وهل تم القيام بما يلزم من عمليات التتبع والتحقق والتقييم عندما تكون هناك شكايات أو معطيات جدية تستدعي ذلك؟ وهل توجد مراسلات أو تقارير أو محاضر تثبت الإجراءات التي تم اتخاذها بشأن الملفات التي تشغل بال الساكنة؟ وهي أسئلة تكتسي أهمية أكبر بالنظر إلى تعدد الملفات التي يتم تداولها محليًا، سواء تعلق الأمر بالنظافة، أو بعض الأوراش والمشاريع التي تعرف تأخرًا أو توقفًا، أو قضايا مرتبطة بالتدبير الحضري، أو وضعية بعض المرافق والخدمات الإدارية، أو غيرها من الملفات التي تحتاج إلى توضيحات رسمية بدل أن تظل رهينة للتأويلات والمعلومات غير الموثقة؛ وفي السياق نفسه، يبرز ملف التقارير المرتبطة بأعمال المراقبة التي تقوم بها المجالس الجهوية للحسابات، وهو مجال حساس يتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة، لأن مجرد إخضاع جماعة لعملية افتحاص أو مراقبة لا يعني تلقائيًا وجود اختلالات أو مخالفات، كما أن وجود ملاحظات في أي تقرير لا يعني بالضرورة ثبوت مسؤولية إدارية أو جنائية على أي شخص قبل استكمال المساطر القانونية؛ ولذلك فإن السؤال المشروع بشأن أي تقرير متعلق بجماعة الجديدة ينبغي أن ينصب على مآله القانوني والإداري، وطبيعة الملاحظات التي قد يتضمنها، والجهات التي تم إشعارها، والإجراءات التي تم اتخاذها، وذلك في حدود ما يسمح القانون بنشره أو الاطلاع عليه؛ فالمطلوب ليس نشر وثائق أو معطيات قد تكون محمية قانونًا، وإنما توفير الوضوح المؤسساتي اللازم حتى لا يتحول غياب المعلومة إلى أرض خصبة للشائعات والتأويلات؛ وفي هذا الإطار، فإن حق المواطنين في التساؤل حول تدبير شؤون مدينتهم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره خصومة مع المؤسسات، بل باعتباره جزءًا من النقاش العمومي حول جودة الخدمات وتدبير المرافق، كما أن حق المؤسسات في الرد والتوضيح يجب أن يكون جزءًا من المعادلة نفسها، لأن المساءلة الحقيقية لا تقوم على الاتهام، وإنما على مواجهة الأسئلة بالوثائق والمعطيات والقرارات الرسمية؛ ومن هنا يمكن طرح مجموعة من الأسئلة على السلطة الإقليمية، ليس باعتبارها اتهامات، وإنما باعتبارها مطالب مشروعة بالشفافية: ما هي الإجراءات التي تم اتخاذها بشأن الوضعية البيئية والنظافة بمدينة الجديدة؟ وهل تمت عمليات تتبع وتقييم لمستوى أداء المرفق والالتزامات المرتبطة به؟ وما هو مآل الأوراش والمشاريع التي تعرف تأخرًا أو توقفًا؟ وهل توجد تقارير أو مراسلات رسمية بشأن الملفات التي تشغل الرأي العام المحلي؟ وما هو مآل أعمال المراقبة التي قد تكون أنجزتها الجهات المختصة؟ وهل تم، في الحالات التي توفرت فيها معطيات جدية حول احتمال وجود أفعال مخالفة للقوانين والأنظمة، دراسة مدى انطباق المقتضيات القانونية ذات الصلة، بما فيها المادة 64 من القانون التنظيمي 113.14، دون أن يعني ذلك افتراض ثبوت أي مخالفة أو المطالبة بعزل أي مسؤول؟ إن طرح هذه الأسئلة يصبح أكثر أهمية عندما تتعدد الملفات دون تواصل مؤسساتي واضح، لأن المواطن لا يستطيع أن يميز بين ملف متوقف لأسباب تقنية أو قانونية، وملف متأخر بسبب ضعف التنسيق، وملف توجد بشأنه مسطرة إدارية أو قضائية جارية، وملف لا توجد بشأنه أي إجراءات، إلا من خلال المعلومة الرسمية؛ ولذلك فإن مسؤولية المؤسسات لا تتمثل فقط في اتخاذ القرارات، وإنما كذلك في التواصل مع المواطنين ضمن الحدود التي يسمح بها القانون، وتوضيح ما يمكن توضيحه، وتقديم المعطيات التي تسمح بفهم مسار الملفات العمومية؛ أما إذا كانت هناك مخالفات ثابتة، فإن القانون يحدد الجهات المختصة والمساطر الواجب اتباعها، وإذا لم تثبت أي مخالفة، فإن ذلك أيضًا ينبغي أن يكون واضحًا وفق ما تسمح به الوثائق والنتائج الرسمية؛ وفي النهاية، فإن النقاش حول وضعية مدينة الجديدة يجب أن يظل قائمًا على أسس موضوعية وقانونية، بعيدًا عن الاتهامات المسبقة أو الأحكام الجاهزة، وأن ينصب على تحديد الاختصاصات والمسؤوليات وتقييم أداء المرافق والخدمات العمومية وفق المعطيات والوثائق الرسمية؛ فالجديدة ليست ملكًا لشخص أو مؤسسة بعينها، والشأن العام ليس مجالًا للحصانة من المساءلة، وفي الوقت نفسه فإن المساءلة لا تعني التشهير أو الإدانة دون دليل؛ وبين هذين المبدأين يجب أن يتحرك النقاش العمومي: لا أحد فوق القانون، ولا أحد يجب أن يكون محل إدانة قبل إثبات مسؤوليته وفق المساطر القانونية، ولا ينبغي أن تتحول الانتقادات أو التساؤلات المشروعة إلى أحكام نهائية خارج المؤسسات المختصة؛ وفي النهاية، فإن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه أمام مختلف المؤسسات المعنية بمدينة الجديدة ليس من أجل التصعيد، وإنما من أجل الوضوح، هو: ما الذي تم فعله، وما الذي لم يتم فعله، ولماذا، ومن هي الجهة المختصة بكل ملف، وما هو السند القانوني لكل إجراء أو عدم إجراء؟ فإذا كانت الآليات القانونية موجودة، فإن المطلوب هو تفعيلها عندما تتوفر شروطها، وإذا لم تتوفر تلك الشروط، فإن المطلوب هو توضيح ذلك، لأن ما يضر بصورة المؤسسات ليس فقط وجود الاختلالات، إن ثبتت، وإنما كذلك استمرار الغموض بشأنها؛ وفي دولة المؤسسات، تبقى القاعدة الأهم هي أن المسؤولية تُحدد بالاختصاص، والمخالفة تُثبت بالدليل، والإجراء يُتخذ وفق المسطرة، والمساءلة تتم في إطار القانون، والشفافية تظل الوسيلة الأنجع لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسة.
- الحسيمة : عشرات التوقيفات الدخيسي يقود حملة أمنية واسعة بالمدينة لتجفيف منابع المخدرات..
- الجديدة: حين تتحول الاختلالات إلى أسئلة قانونية حول مسؤولية السلطة الإقليمية
- نقابة صحية بوجدة تحذر من توترات داخل المركز الجهوي للأنكولوجيا وتدعو إلى تدخل عاجل
- “اللانش بوكس” وإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية في المدرسة: قراءة سوسيولوجية في إنتاج المعاني والمكانة والهوية
- توقيف ممرضة متدربة ببومية بشبهة انتحال صفة «دركية» وحجز لباس نظامي
- إحباط محاولة للهجرة غير النظامية بشاطئ أولاد غانم وتوقيف 14 مرشحًا للهجرة
- ضمنها أسامة بريك.. أربعة أحزاب توحّد صفوفها داخل البرلمان وتعلن ميلاد مجموعة نيابية مشتركة
- القنيطرة : مستشفى الزموري العمومي ينجح في إجراء جراحة بالمنظار لعلاج تضيق الوصل الحويضي الحالبي
- سقوط بنعطية في سلا الجديدة.. كيف ضاعت الأصوات أمام حصيلة متميزة من التدبير المحلي ؟
- الرميد يعيد الجدل حول رئاسة المرأة للحكومة




