بقلم ذ.محمد أغياي/ أستاذ باحث في السوسيولوجيا/مهتم بقضايا التربية والمجتمع
لم يعد “اللانش بوكس” داخل المدرسة مجرد ممارسة يومية بسيطة لا تتجاوز حمل وجبة خفيفة لتناولها خلال فترة الاستراحة، بل يمكن النظر إليه باعتباره ممارسة اجتماعية تكشف عن جانب من العلاقات التي تربط الأسرة بالمدرسة والطفل بالمحيط الاجتماعي. فالوجبة التي يحملها الطفل معه إلى المدرسة تبدو في ظاهرها فعلا يوميا بسيطا، لكنها في الواقع ترتبط بعادات أسرية، وموارد اقتصادية، وأذواق غذائية، وأنماط استهلاك، وتمثلات حول الصحة والجسد، كما أنها تصبح داخل الفضاء المدرسي موضوعا للملاحظة والمقارنة والتفاعل بين الأطفال. ومن هنا يمكن للغذاء أن يتحول إلى حامل للمعنى الاجتماعي، وأن يصبح “اللانش بوكس” مدخلا سوسيولوجيا لفهم بعض أشكال التفاوت التي تظهر داخل الحياة المدرسية.
تسمح لنا نظرية الهابيتوس عند بيير بورديو بفهم العلاقة بين الممارسة الغذائية والبنية الاجتماعية. فالطفل لا يدخل المدرسة منفصلا عن محيطه الاجتماعي، وإنما يحمل معه مجموعة من الاستعدادات المكتسبة داخل الأسرة، والتي تتجسد في طريقة كلامه، ولباسه، وذوقه، وعلاقته بالآخرين، وكذلك في عاداته الغذائية. فالهابيتوس هو ذلك المخزون من الاستعدادات الاجتماعية التي تتشكل من خلال التجربة الاجتماعية والتنشئة، وتوجه الممارسات اليومية للفرد دون أن تكون بالضرورة نتيجة قرارات واعية ومقصودة.
ومن هذا المنظور، فإن محتوى اللانش بوكس يمكن أن يعكس جزءا من الهابيتوس الأسري، لأن ما يأكله الطفل يرتبط، بدرجات مختلفة، بما اعتاد عليه داخل أسرته وبما يعتبره محيطه الغذائي طبيعيا ومألوفا.
فالاختلاف بين وجبات الأطفال لا يرتبط فقط بالقدرة الاقتصادية للأسرة على شراء هذا المنتج أو ذاك، وإنما يمكن أن يعكس أيضا اختلافا في أنماط الحياة والذوق والمعرفة والموارد الثقافية. فقد تكون بعض الأسر أكثر ارتباطا بأنماط غذائية معينة، أو أكثر قدرة على تنظيم الوجبات، أو أكثر اطلاعا على الخطابات المرتبطة بالتغذية والصحة، بينما تعتمد أسر أخرى على خيارات مختلفة فرضتها ظروفها الاقتصادية أو الزمنية أو الثقافية. لذلك فإن “اللانش بوكس” يمكن أن يظهر باعتباره نقطة التقاء بين رأس المال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، حيث تتحول الموارد المتفاوتة إلى ممارسات يومية قابلة للملاحظة داخل المدرسة.
وهنا تكمن إحدى أفكار بورديو الأساسية: التفاوت الاجتماعي لا يظهر دائما في صورة مباشرة أو صريحة، بل يمكن أن يتجسد في الأذواق والممارسات وأنماط الاستهلاك. فالطعام الذي يحمله الطفل قد يصبح علامة اجتماعية، ليس لأنه يحمل في ذاته قيمة طبقية ثابتة، وإنما لأن المجتمع يمنح بعض الأطعمة والمنتجات وأنماط الاستهلاك معاني مرتبطة بالمكانة الاجتماعية. وبذلك يمكن للانتماء الطبقي أن يجد طريقه إلى المدرسة عبر تفاصيل الحياة اليومية، ومن بينها الغذاء.
غير أن تفسير “اللانش بوكس” من خلال البنية الاجتماعية وحدها لا يكفي، لأن الوجبة لا تكتسب معناها الاجتماعي إلا داخل علاقات التفاعل. وهنا يصبح التفاعل الرمزي عند “جورج هربرت ميد” مدخلا أساسيا لفهم الطريقة التي يتعامل بها الأطفال مع اختلافاتهم الغذائية. فالطفل لا يدرك ذاته بصورة منفصلة عن الآخرين، وإنما تتشكل صورة الذات من خلال التفاعل الاجتماعي ومن خلال استيعاب نظرة الآخرين إليه. وعندما يجلس الأطفال معا أثناء تناول الطعام، فإنهم يدخلون في شبكة من الملاحظات والتعليقات والمقارنات والأسئلة، ويصبح “اللانش بوكس” موضوعا للتفاعل اليومي.
قد يسأل طفل زميله عن نوع الطعام الذي يحمله، وقد يبدي إعجابه به، وقد يضحك على نوع آخر، وقد يقارن بين وجبته ووجبة زميله. هذه التفاعلات البسيطة تساهم في إنتاج معان اجتماعية حول الطعام. فالوجبة لا تكون «جيدة» أو «سيئة» في ذاتها، وإنما قد تصبح كذلك وفق المعنى الذي ينتجه الأطفال من خلال تفاعلهم. ومن هنا يمكن القول إن “اللانش بوكس” يتحول إلى موضوع رمزي تتجاوز دلالته قيمته الغذائية.
وتتصل هذه العملية بمفهوم «الذات» عند “هربارت ميد”، لأن الطفل يبدأ تدريجيا في النظر إلى نفسه من خلال توقعات الآخرين وردود أفعالهم. فإذا لاحظ أن زملاءه يقدرون نوعا معينا من الطعام، فقد يشعر بأن امتلاكه يمنحه نوعا من القبول أو الانتماء. وإذا لاحظ العكس، فقد يشعر بأن طعامه يجعله مختلفا عن المجموعة. وبذلك يمكن للتفاعل حول الوجبة أن يؤثر في علاقة الطفل بذاته وفي الطريقة التي يقدم بها نفسه داخل جماعة الأقران.
ومن هنا يصبح مفهوم الوصم عند إرفينغ غوفمان مهما في تحليل هذه الظاهرة.
فالاختلاف في الطعام لا يتحول بالضرورة إلى وصم، لكنه يمكن أن يصبح كذلك عندما يمنح هذا الاختلاف معنى سلبيا داخل التفاعل الاجتماعي. فقد يجد الطفل نفسه موضوعا للسخرية بسبب نوع الطعام الذي يحمله، أو بسبب غياب بعض المنتجات التي يعتبرها الآخرون شائعة، أو بسبب اختلاف عاداته الغذائية عن عادات المجموعة. وفي هذه الحالة لا يعود الاختلاف مجرد اختلاف في الوجبة، وإنما يتحول إلى علامة اجتماعية يمكن أن تؤثر في صورة الطفل أمام زملائه.
ويكشف غوفمان، من خلال مفهوم إدارة الانطباع، عن جانب آخر من الظاهرة.
فالطفل قد يحاول التحكم في الصورة التي يقدمها عن نفسه أمام الآخرين. وقد يدفعه الخوف من السخرية أو الرغبة في الاندماج إلى تغيير بعض مكونات وجبته، أو إخفاء بعضها، أو مطالبة أسرته بشراء منتجات معينة، أو الامتناع عن تناول طعام معين أمام زملائه. وفي هذه الحالة يصبح اللانش بوكس جزءا من عملية تقديم الذات، حيث لا يتعلق الأمر فقط بما يأكله الطفل، بل بكيفية ظهوره أمام الآخرين من خلال ما يأكله.
وهنا تظهر العلاقة بين الطبقة والتمييز الرمزي. فالطفل لا يختار دائما الشروط الاجتماعية التي تحدد ما يحمله معه إلى المدرسة، لكنه يجد نفسه داخل فضاء اجتماعي تتم فيه مقارنة الممارسات والاختيارات. وإذا كانت بعض الأسر تمتلك موارد اقتصادية وثقافية أكبر، فإن أطفالها قد يمتلكون أنماطا من الاستهلاك أكثر توافقا مع الأذواق السائدة داخل جماعة معينة. وبذلك يمكن أن تتحول الفوارق الاقتصادية إلى فروق رمزية، ثم تتحول الفروق الرمزية بدورها إلى مؤشرات على المكانة والانتماء.
إلا أن إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية لا ينبغي فهمها باعتبارها عملية آلية ومباشرة. فالمدرسة يمكن أن تكون فضاء لإعادة إنتاج بعض الفوارق، لكنها في الوقت نفسه فضاء لإعادة تشكيلها. فالطفل قد يدخل المدرسة حاملا هابيتوس تشكل داخل الأسرة، لكنه يكتشف من خلال التفاعل مع الآخرين أن بعض ممارساته يمكن أن تكتسب معاني جديدة. وقد يتعلم تقبل الاختلاف أو تعديل ممارساته أو تبني ممارسات جديدة. ولذلك فإن العلاقة بين الهابيتوس والتفاعل ليست علاقة حتمية، بل علاقة دينامية بين ما يحمله الطفل من استعدادات وما يواجهه داخل الفضاء المدرسي من تفاعلات.
إن الجمع بين “بورديو” و”ميد” و”غوفمان” يسمح ببناء قراءة أكثر تكاملا “للانش بوكس”. فبورديو يساعد على فهم الخلفية الاجتماعية التي تنتج اختلاف الممارسات الغذائية من خلال مفاهيم الهابيتوس والذوق ورأس المال. وميد يوضح كيف تتحول هذه الاختلافات إلى معان من خلال التفاعل بين الأطفال، وكيف تساهم نظرة الآخرين في تشكيل صورة الطفل عن ذاته. أما غوفمان فيكشف عن اللحظة التي يمكن أن يصبح فيها الاختلاف علامة اجتماعية تؤثر في تقديم الذات وتنتج احتمالات الوصم أو الإخفاء أو إدارة الانطباع.
وعليه، فإن “اللانش بوكس” يمكن أن يمثل مدخلا دقيقا لدراسة العلاقة بين الأسرة والمدرسة والطبقة الاجتماعية والتنشئة. فالوجبة التي تنتقل من البيت إلى المدرسة تحمل معها جزءا من العالم الاجتماعي للأسرة، لكنها عندما تدخل إلى الفضاء المدرسي تصبح موضوعا للمقارنة والتفاعل والتصنيف. ومن خلال هذه العملية يمكن أن تظهر بعض الفوارق الاجتماعية في صورة أذواق واختيارات وممارسات تبدو فردية، بينما تحمل في خلفيتها شروطا اجتماعية أوسع.
ومن منظور سوسيولوجيا التربية، تكمن أهمية دراسة “اللانش بوكس” في أنه يكشف أن إعادة إنتاج التفاوتات لا تحدث فقط عبر المناهج أو النتائج الدراسية أو الموارد التعليمية، وإنما يمكن أن تحدث أيضا عبر تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو بعيدة عن المجال التربوي الرسمي. فالطفل يتعلم داخل المدرسة ليس فقط الرياضيات واللغات والعلوم، وإنما يتعلم أيضا كيف ينظر إلى نفسه وإلى الآخرين، وكيف يفسر الاختلاف، وكيف يحدد موقعه داخل جماعة الأقران. وفي هذا المستوى اليومي يمكن أن تتحول الوجبة إلى وسيط للتنشئة الاجتماعية وإنتاج المعاني والمكانة والهوية.
لذلك فإن السؤال السوسيولوجي حول “اللانش بوكس” لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال ماذا يأكل الأطفال داخل المدرسة، بل يتجاوزه إلى سؤال أعمق: كيف تتحول الممارسات الغذائية القادمة من الأسرة إلى علامات اجتماعية داخل الفضاء المدرسي؟ وكيف يساهم الهابيتوس في تشكيل هذه الممارسات؟ وكيف يعيد التفاعل بين الأقران إنتاج معانيها؟ ومتى يتحول الاختلاف الغذائي من مجرد اختلاف في الممارسة إلى مصدر للتمييز الرمزي أو الوصم؟ إن طرح هذه الأسئلة يجعل من “اللانش بوكس” موضوعا سوسيولوجيا وتربويا يكشف، من خلال ممارسة يومية بسيطة، عن التفاعل المستمر بين البنية الاجتماعية والممارسة الفردية والتنشئة المدرسية.





